قوله: {يا أَيُّهَا الناس قَدْ جَاءتْكُمْ مَّوْعِظَةٌ مّن رَّبّكُمْ} يعني: القرآن فيه ما يتعظ به من قرأه وعرف معناه ، والوعظ في الأصل: هو: التذكير بالعواقب سواء كان بالترغيب أو الترهيب ، والواعظ هو كالطبيب ينهى المريض عما يضرّه ، و {مِنْ} في {مّن رَّبّكُمْ} متعلقة بالفعل ، وهو {جاءتكم} ، فتكون ابتدائية ، أو متعلقة بمحذوف ، فتكون تبعيضية {وَشِفَاء لِمَا فِى الصدور} من الشكوك التي تعتري بعض المرتابين ، لوجود ما يستفاد منه في من العقائد الحقة ، واشتماله على تزييف العقائد الباطلة ، والهدى: الإرشاد لمن اتبع القرآن ، وتفكر فيه ، وتدبر معانيه إلى الطريق الموصلة إلى الجنة ، والرحمة: هي ما يوجد في الكتاب العزيز من الأمور التي يرحم الله بها عباده ، فيطلبها من أراد ذلك حتى ينالها ، فالقرآن العظيم مشتمل على هذه الأمور.
ثم أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم وجعل الخطاب معه بعد خطابه للناس على العموم ، فقال: {قُلْ بِفَضْلِ الله وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} المراد بالفضل من الله سبحانه: هو تفضله على عباده في الآجل والعاجل بما لا يحيط به الحصر ، والرحمة: رحمته لهم.
وروي عن ابن عباس أنه قال: فضل الله: القرآن ، ورحمته: الإسلام.
وروي عن الحسن والضحاك ، ومجاهد وقتادة ، أن فضل الله: الإيمان ، ورحمته: القرآن.
والأولى: حمل الفضل والرحمة على العموم ، ويدخل في ذلك ما في القرآن منهما دخولاً أوّلياً ، وأصل الكلام: قل بفضل الله وبرحمته فليفرحوا ، ثم حذف هذا الفعل لدلالة الثاني في قوله: {فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُواْ} عليه ، قيل: والفاء في هذا الفعل المحذوف داخلة في جواب شرط مقدّر ، كأنه قيل: إن فرحوا بشيء فليخصوا فضل الله ورحمته بالفرح.