هَذَا) . وَلَفْظُ الْآيَةِ لَا يَمْنَعُ مِنْ إِرَادَةِ كُلٍّ مِنَ الْمَسْجِدَيْنِ ، لِأَنَّ كُلًّا مِنْهُمَا قَدْ بَنَاهُ - صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ - وَوَضَعَ أَسَاسَهُ عَلَى التَّقْوَى مَنْ أَوَّلِ يَوْمٍ شَرَعَ فِيهِ بِبِنَائِهِ أَوْ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ وُجِدَ فِي مَوْضِعِهِ ، وَالتَّحْقِيقُ أَنَّ: (مِنْ) تَدْخُلُ عَلَى الزَّمَانِ وَالْمَكَانِ .
(فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا) هَذِهِ جُمْلَةٌ وُصِفَ بِهَا الْمَسْجِدُ الَّذِي أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَى تُؤَكِّدُ تَرْجِيحَ الْقِيَامِ مَعَ أَهْلِهِ الْمُطَهِّرِينَ فِي مُقَابِلِ أَهْلِ مَسْجِدِ الضِّرَارِ وَهُمْ رِجْسٌ .
وَالْمَعْنَى: فِيهِ رِجَالٌ يَعْمُرُونَهُ بِالِاعْتِكَافِ وَإِقَامَةِ الصَّلَاةِ وَذِكْرِ اللهِ وَتَسْبِيحِهِ فِيهِ بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ ، يُحِبُّونَ أَنْ يَتَطَهَّرُوا بِذَلِكَ مَنْ كُلِّ مَا يَعْلَقُ بِأَنْفُسِهِمْ مَنْ دَرَنِ الْآثَامِ ، أَوِ التَّقْصِيرِ فِي إِقَامَةِ دَعَائِمِ الْإِسْلَامِ ، كَمَا تَطَهَّرَ الْمُتَخَلِّفُونَ مِنْهُمْ عَنْ غَزْوَةِ تَبُوكَ بِالتَّوْبَةِ وَالصَّدَقَاتِ ، وَمِنْ لَوَازِمِ عِمَارَتِهِ الْمَعْنَوِيَّةِ وَالْعُكُوفِ فِيهِ: طَهَارَةُ الثَّوْبِ وَالْبَدَنِ الْحِسِّيَّةُ ، وَطَهَارَةُ الْوُضُوءِ
وَالْغُسْلِ الْحُكْمِيَّةُ ، فَالتَّطَهُّرُ: صِيغَةُ مُبَالَغَةٍ تَشْمَلُ الطَّهَارَتَيْنِ النَّفْسِيَّةَ وَالْبَدَنِيَّةَ ، وَوَرَدَتِ الرِّوَايَاتُ بِكُلٍّ مِنْهُمَا ، وَلِكُلٍّ مِنْهُمَا ، وَلِكُلٍّ مِنَ الِاسْتِعْمَالَيْنِ مَوْضِعٌ مِنَ التَّنْزِيلِ ، وَالْجَمْعُ بَيْنَهُمَا هُوَ الْأَوْلَى .