والتولي - كما نعلم - هو الإعراض ، والأمر هنا بعدم الإعراض ، وما دمتم قد آمنتم فلا إعراض عما تؤمنون به . والملحظ الجميل أنه سبحانه لم يقل: ولا تولوا عنهما . قياساً بالأسلوب البشري . لكنه قال: {وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ} أي أنه سبحانه وتعالى قد وحد الكلام في أمرين اثنين ؛ طاعة الله وطاعة الرسول ، ولأن الرسول مبلغ عن الله فلا تقسيم بين الطاعتين ؛ لأن طاعة الرسول هي طاعة لله تعالى .
أو نقول: إن التولي لا يكون أبداً بالنسبة إلى الله ، فلا أحد بقادر على أن يتولى عن الله ؛ لأن الله لاحقه ومدركه في أي وقت .
لذلك نجد الحق تبارك وتعالى يقول في آية ثانية: {يَحْلِفُونَ بالله لَكُمْ لِيُرْضُوكُمْ والله وَرَسُولُهُ أَحَقُّ أَن يُرْضُوهُ إِن كَانُواْ مُؤْمِنِينَ} [التوبة: 62] .
وهو سبحانه وتعالى في هذا القول يوحد بين رضاء الله والرسول فيجعله رضاءً واحداً ، فالواحد من هؤلاء يقسم أنه لم يفعل الفعل المخالف للإيمان إرضاءً للمؤمنين ، وليبرئ نفسه عند البشر ، لكن هناك رضاء أعلى هو رضاء مراعاة تطبيق المنهج الذي أنزله الله عز وجل وجاء به الرسول صلى الله عليه وسلم ، وهناك قيوم أعلى يرقب كل سلوك ، ويعلم ما ظهر وما بطن . فلو كنا متروكين لبعضنا البعض لكان لأي إنسان أن يواجه الآخر ، كل بقوته ، لكن نحن في الإيمان نعلم أننا تحت رقابة المقتدر القيوم ، فمن ظلم أخاه ؛ وغفر المظلوم لظالمه ، فالله سبحانه وتعالى رب الظالم ورب المظلوم - لا يغفر للظالم بل يؤاخذه .
وسبحانه وحد أيضاً في هذه الآية بين رضاء الله ورضاء الرسول ولم يقل: والله ورسوله أحق أن يرضوهما بظاهر الأسلوب في لغة البشر ، لكنه شاء أن يوحد الرضاء ؛ لأنه يدور حول أمر واحد بطاعة واحدة ، وحول نهي واحد بانتهاء واحد .
{يا أَيُّهَا الذين آمنوا أَطِيعُواْ الله وَرَسُولَهُ وَلاَ تَوَلَّوْا عَنْهُ وَأَنْتُمْ تَسْمَعُونَ} [الأنفال: 20] .