قوله تعالى: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ قَتَلَهُمْ وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ
رَمَى ... (17) . رَمَى) عطف - عز وجل - بالفاء في قوله: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ) فتبين من ذلك أن
انتظامه وهو أعلم بقوله جل قوله: (يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا لَقِيتُمْ فِئَةً فَاثْبُتُوا...)
يقول وهو أعلم: أعدوا لهم قوة من أنفسكم وشدة بأس، وأظهروا
لربكم نية صادقة وخشية وصبرًا في سبيله غضبًا له ونصيحة للإسلام، فعند ذلك
تستحقون النصر من الله والفتح والإمداد بالجنود من لدنه.
ثم عطف على هذا المعنى المحذوف المقدر قوله:(فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ وَلَكِنَّ اللَّهَ
قَتَلَهُمْ)أقام لهم ذلك كالآية، والدلالة على وجود الفتح عقب
الصبر والخشية وألحق حركاتهم وقتالهم الكافرين، ورمي رسوله - صلى الله عليه وسلم -
الحصى من كفه في وجوه المشركين كان رميه بالقبضة يوم حنين: وهذا
الإخبار غريب، فربما أخبر عما سيكون قبل أن يكون ليثبت بأنه هو المتوحد
المنفرد وحده؛ ذلك بأنه هو محرك المتحركين، وقاتل المقتولين، ومتمم فعل
الفاعلين، ومجدد قوى القادرين، هو الأول في ذلك والآخر، والظاهر والباطن، إنما
عليهم ما حملهم وعليه ما تضمن (وَمَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ مِنَ اللَّهِ) .
إنما للعبد من فعله ما أوجد الله له من الحركة المضافة إليه بنسبة إليه:
وإنما صورة الفعل التي هي كماله وتمامه فهو له، ولما كان التمام والكمال
والبداية والنهاية والظاهر والباطن هما صورة العمل لأن مآله كلزوم الظل
شخصه ألزم جل ذكره المكلف ثواب فعله وعقابه بما نوى وما اجترم، وهذا هو
التوحيد الأعلى توحيد الصديقين، والذين هم شهداء الله - جلَّ جلالُه - في عباده.
قال الله عز من قائل:(وَالَّذِينَ آمَنُوا بِاللَّهِ وَرُسُلِهِ أُولَئِكَ هُمُ الصِّدِّيقُونَ وَالشُّهَدَاءُ
عِنْدَ رَبِّهِمْ لَهُمْ أَجْرُهُمْ وَنُورُهُمْ)وهو موجود عن اسمه الأول والآخر
والظاهر والباطن، ولهذا التوحيد وعلمه شواهد كثيرة: أما من القرآن العزيز، فقوله
جل قوله: (وَاللَّهُ خَلَقَكُمْ وَمَا تَعْمَلُونَ(96) .