المعنى إلى آخره، الزحف: مضي الجملة إلى الجملة
للقتال دفعة واحدة.
(وَمَنْ يُوَلِّهِمْ يَوْمَئِذٍ دُبُرَهُ إِلَّا مُتَحَرِّفًا لِقِتَالٍ أَوْ مُتَحَيِّزًا إِلَى فِئَةٍ ...(16) .
التحرف للقتال: التقلب من قرن إلى قرن فربما أقبل على واحد وولى ظهره
آخر، وقد قال قوم: إن هذا الوعيد متوجه إلى من فرَّ يومئذٍ، يعني: يوم بدر.
قال: لأن الملائكة يومئذٍ ممدة للمؤمنين، فالفرار يوم بدر كان من التكلف،
والصواب أن قوله: (يَوْمَئِذٍ) المراد به: يوم الزحف إلى العدو وإن الحرج
والوعيد باقٍ على من ولى العدو دبره إذا كان عددًا بعددين، فالفرار حرام على
ذلك، والفرار أيضًا حرام على عدد أكثر من العددين، بل الصواب للمسلمين لا
تجاوز العدو ضعفي عدد المسلمين ألا يناجزوهم لحرب إذا غلب الظن
بضعفهم عن المقاومة، فالرأي على ذلك في المحاجزة لا في المناجزة، فإن غلب
الظن في القيام لهم ورجاء الغلبة، وإلا فلا يسيروا العدو يظفر بالمؤمنين.
وبالجملة: فالمناجزة على أكثر من العددين نافلة، وإن زحفوا إليهم فظهرت
لهم كمائن ومكائد لم يشعروا بها، فالتحيز إلى فئة المسلمين مباح لهم، والبلد فئة
المسلمين والإمام فئة المسلمين والجيش الأعظم وجماعة المسلمين فئتهم.
قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم - لأهل غزوة مؤتة، وقد انحاز خالد بن الوليد بالمسلمين
ناحية بعد معاركة، وقتل وقتال كائن بين القوم، فلما ورد المدينة خرج النساء
والصبيان يقولون لهم:"هؤلاء الفرارون"قال رسول الله - صلى الله عليه وسلم -:"بل هم الكرارون إن"
شاء الله، أنا فئتة المسلمين"."
ومعنى قوله - جلَّ جلالُه -: (فَقَدْ بَاءَ بِغَضَبٍ مِنَ اللَّهِ وَمَأْوَاهُ جَهَنَّمُ وَبِئْسَ الْمَصِيرُ(16)
هو والله أعلم لمن ولى العدو دبره، يريد بذلك ابتغاء الفتنة وجر
الهزيمة على المسلمين كما قال فيهم:(لَوْ خَرَجُوا فِيكُمْ مَا زَادُوكُمْ إِلَّا خَبَالًا
وَلَأَوْضَعُوا خِلَالَكُمْ يَبْغُونَكُمُ الْفِتْنَةَ)ولكل عما نية، ولكل نية
حسنة، والله يعلم ما في أنفسكم فاحذروه.