(يَسْأَلُونَكَ عَنِ الْأَنْفَالِ قُلِ الْأَنْفَالُ لِلَّهِ وَالرَّسُولِ) .
فما كان لله جل ذكره فهو للمؤمنين، وما كان منها للرسول - صلى الله عليه وسلم - كان له أن
يخص فيه أو يعم، ويحبس منها لقوته وعياله وما ينوبه، وكان ذلك عوضًا من
صدقات المسلمين وزكاتهم، ثم وصَّاهم بالتقوى وبصرهم معالم الإيمان وأعلمهم
بذروته، والمضمر هنا هو ذكر الحال من النصر والنعمة به، ثم شبه به إخراجه إياه
من بيته على غير إرادة القتال، بل لإرادة العير، فكان القتال والنصر على الأعداء
والظفر بأعلى المطلوب الذي هو القتل والأسر، فكانوا من ذلك في حالهم (كَأَنَّمَا يُسَاقُونَ إِلَى الْمَوْتِ وَهُمْ يَنْظُرُونَ(6) .
وكان في علم الله - عز وجل -
أنهم يساقون إلى النصر والفتح وهم لا يشعرون الموت عندهم كان اللقاء لقلتهم
وذلتهم بإضافتهم يومئذٍ إلى عدوهم ونظرهم إلى الموت هو نظرهم إلى الجيش
الذي كانوا يظنون أن الموت يأتيهم من قبله كما قال جل قوله: (وَلَقَدْ كُنْتُمْ تَمَنَّوْنَ
الْمَوْتَ مِنْ قَبْلِ أَنْ تَلْقَوْهُ فَقَدْ رَأَيْتُمُوهُ وَأَنْتُمْ تَنْظُرُونَ (143) . يريد: القتل
والقتال والسلاح، وهذه أسباب الموت القريبة، بل المشبه به لطفه الخفي في
حكمه الخفي لعباده المؤمنين، وأنهم عنده في اختيار الخير لهم والأفضل، كاختياره
لرسوله - صلى الله عليه وسلم - ولصحابته - رضي الله عنهم - وتبليغه إياهم أكثر مما يأملوه منه.
ألا تسمع إلى قوله العلي لما وصف عباده المؤمنين من لدن قوله:(إِنَّمَا
الْمُؤْمِنُونَ الَّذِينَ إِذَا ذُكِرَ اللَّهُ وَجِلَتْ قُلُوبُهُمْ)إلى قوله:(أُولَئِكَ هُمُ
الْمُؤْمِنُونَ حَقًّا)ثم وصف ما هو يبلغهم إليه بقوله:(لَهُمْ دَرَجَاتٌ عِنْدَ رَبِّهِمْ وَمَغْفِرَةٌ
وَرِزْقٌ كَرِيمٌ)ثم حذف هنا ما معناه وصف للطف الذي به يبلغهم إليه
من غيب تدبيره، ورفيع ما بهم ومستقرهم عنده.
ثم شبه ذلك منه بإخراجه رسوله وأصحابه إلى غزوة بدر حيث كانوا يخافون
ذات الشوكة ويطمعون في العير، ويريد الله أن يحق الحق بكلماته في شأن بدر على