والثالث: (فَلَمْ تَقْتُلُوهُمْ) ، أي: لم تطمعوا بخروجكم إليهم قتلهم؛ لأنهم كانوا بالمحل الذي وصفهم من الضعف وشدة الخوف والذلة كأنما يساقون إلى الموت، فإذا كانوا بالمحل الذي ذكر فيقول - واللَّه أعلم -: لم تطمعوا بخروجكم إليهم وقصدكم إياهم قتلهم؛ لما كان فيكم من الضعف وقوة أُولَئِكَ، ولكن اللَّه أذلهم، وألقى في قلوبهم الرعب والخوف حتى قتلتموهم؛ وكذلك قوله: (وَمَا رَمَيْتَ إِذْ رَمَيْتَ وَلَكِنَّ اللَّهَ رَمَى) لا يطمع الإنسان برمي كف من تراب النكبة بأعدائه، ولكن اللَّه رمى حيث بلغ ذلك، وغطى أبصارهم وأعينهم بذلك الكف من التراب؛ على ما ذكر في القصة أنه رمى كفًّا من تراب فغشى أبصار المشركين، فانهزموا لذلك.
ويحتمل أن تكون نسبة هذه الأفعال إلى نفسه وإضافتها إليها، لما نسب وأضاف كل خير ومعروف إلى نفسه؛ من ذلك قوله: (يَمُنُّونَ عَلَيْكَ أَنْ أَسْلَمُوا...) الآية.
وقوله: (وَلَكِنَّ اللَّهَ يَهْدِي مَنْ يَشَاءُ) ، وقوله: (اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ) ، وغير ذلك من الآيات التي فيها إضافة الأفعال التي خلصت لله وصفت له؛ فعلى ذلك نسب فعلهم إلى نفسه؛ لخلوصه وصفائه له، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَلِيُبْلِيَ الْمُؤْمِنِينَ مِنْهُ بَلَاءً حَسَنًا) .
أي: نعمة عظيمة؛ حيث نصرهم على عدوهم مع ضعف أبدانهم، وقلة عددهم، وكثرة أعدائهم، وقوة أبدانهم وعدتهم، وهو ما ذكر في هلاك فرعون وقومه أنه بلاء من ربكم عظيم بقوله: (وَفِي ذَلِكُمْ بَلَاءٌ مِنْ رَبِّكُمْ عَظِيمٌ) ؛ فعلى ذلك هذا، واللَّه أعلم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (إِنَّ اللَّهَ سَمِيعٌ) .
أي: سميع لدعائكم الذي دعوتم، وتضرعكم الذي تضرعتم إليه.
أو أن يقول: (سَمِيعٌ) ، أي: مجيب لدعائكم، (عَلِيمٌ) : بأقوالكم وأفعالكم، التي تسرون وتعلنون، واللَّه أعلم.