وقال قطرب: فلمّا تجلّى ربّه أي: أمر ربّه للجبل كقوله . {وَسْئَلِ القرية التي كُنَّا فِيهَا} [يوسف: 82] .
وقال المبرد: معناه فلمّا تجلّى ربّه آية للجبل جعله فعلاً متعدّياً [كالتخلّص والتبدّل والتوعد] .
وقال أبو بكر محمد بن عمر الورّاق: حكي لي عن سهل بن سعد الساعدي أن الله تعالى أظهر من [وراء] سبعين ألف حجاب ضوءاً قدر الدرهم فجعل الجبل دكاً.
وقال أبو بكر: فَعَذُب إذ ذاك كل ماء وأفاق كل مجنون وبرأ كل مريض . وزالت الأشواك عن الأشجار وخصبت الأرض وأزهرت وخمدت نيران المجوس . وخرت الأصنام لوجهها {جَعَلَهُ دَكّاً} مستوياً بالأرض . وقال ابن عباس: جعله تراباً.
عن معونة بن قرّة عن أنس بن مالك قال:"قال النبيّ صلى الله عليه وسلم في قوله: {فَلَمَّا تجلى رَبُّهُ لِلْجَبَلِ جَعَلَهُ دَكّاً} : طارت لعظمته ستة أجبل فوقعت ثلاثة بالمدينة: أحد وورقان ، ورضوى . ووقع ثلاثة بمكّة ثور وثبيرة وحراء".
واختلفت القراءة في هذا الحرف ، وقرأ عاصم {دَكّاً} بالقصر والتنوين . والتي في الكهف بالمد ، وقرأ غيره من أهل الكوفة وحمير (دكاء) ممدودة غير مجراه في التنوين.
وقرأ الباقون مقصورة الرفع منونة . وهو اختيار أبي حاتم وأبي عبيد ، فمن قصره فمعناه جعله مدكوكاً . والدك والدق بمعنى واحد لأن الكاف والقاف يتعاقبات ، لقولهم: كلام رقيق وركيك ، ويجوز أن يكون معناه: دكه الله دكاً أي فتّه الله أغباراً لقوله {إِذَا دُكَّتِ الأرض دَكّاً} [الفجر: 21] وقوله {وَحُمِلَتِ الأرض والجبال فَدُكَّتَا دَكَّةً وَاحِدَةً} [الحاقة: 14] .
قال حميد:
يدك أركان الجبال هزمه ... تخطر بالبيض الرقاق بهمه
ومن مده فهو من قول العرب ناقة دكاء إذا لم يكن لها سنام . وحينئذ يكون معناه: جعله أيضاً دكاء ، أي مستوية لا شيء فيها ، لأن الجبل مذكر ، هذا قول أهل الكوفة.