الْقَوْلُ فِي تَأْوِيلِ قَوْلِهِ تَعَالَى: {قَالُوا إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ (125) وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا لَمَّا جَاءَتْنَا رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ (126) }
يَقُولُ تَعَالَى ذِكْرُهُ: قَالَ السَّحَرَةُ مُجِيبَةٌ لِفِرْعَوْنَ، إِذْ تَوَعَّدَهُمْ بِقَطْعِ الْأَيْدِي وَالْأَرْجُلِ مِنْ خِلَافٍ، وَالصَّلْبِ: {إِنَّا إِلَى رَبِّنَا مُنْقَلِبُونَ}
يَعْنِي بِالِانْقِلَابِ إِلَى اللَّهِ الرُّجُوعَ إِلَيْهِ وَالْمَصِيرَ.
وَقَوْلُهُ: {وَمَا تَنْقِمُ مِنَّا إِلَّا أَنْ آمَنَّا بِآيَاتِ رَبِّنَا}
يَقُولُ: مَا تُنْكِرُ مِنَّا يَا فِرْعَوْنُ وَمَا تَجِدُ عَلَيْنَا، إِلَّا مِنْ أَجْلِ أَنْ آمَنَّا: أَيْ: صَدَّقْنَا بِآيَاتِ رَبِّنَا، يَقُولُ: بِحُجَجِ رَبِّنَا وَأَعْلَامِهِ وَأَدِلَّتِهِ الَّتِي لَا يَقْدِرُ عَلَى مِثْلِهَا أَنْتَ، وَلَا أَحَدٌ سِوَى اللَّهِ، الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ. ثُمَّ فَزِعُوا إِلَى اللَّهِ، بِمَسْأَلَتِهِ الصَّبْرَ عَلَى عَذَابِ فِرْعَوْنَ، وَقَبْضِ أَرْوَاحِهِمْ عَلَى الْإِسْلَامِ، فَقَالُوا: {رَبَّنَا أَفْرِغْ عَلَيْنَا صَبْرًا} يَعْنُونَ بِقَوْلِهِمْ: أَفْرِغْ: أَنْزِلْ عَلَيْنَا حَبْسًا يَحْبِسُنَا عَنِ الْكُفْرِ بِكَ عِنْدَ تَعْذِيبِ فِرْعَوْنَ إِيَّانَا.
{وَتَوَفَّنَا مُسْلِمِينَ}
يَقُولُ: وَاقْبِضْنَا إِلَيْكَ عَلَى الْإِسْلَامِ، دَيْنِ خَلِيلِكَ إِبْرَاهِيمَ صَلَّى اللهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ، لَا عَلَى الشِّرْكِ بِكَ.
قَالَ ابْنُ عَبَّاسٍ:"كَانُوا فِي أَوَّلِ النَّهَارِ سَحَرَةً، وَفَى آخِرِ النَّهَارِ شُهَدَاءَ". انتهى انتهى. {تفسير الطبري. 10/}