قوله: {وَأَرْسِلْ فِي المدآئن حَاشِرِينَ} .
"فِي المَدَائِنِ"متعلق بـ"أرْسِلُ"، و"حَاشِرينَ"مفعول به ، ومفعول"حَاشِرِين"محذوفة أي: حاشرين السَّحَرة ، بدليل ما بعده.
و"المَدائِنُ"جمع مَدينَةٍ ، وفيها ثلاثُة أقوال:
أصحها: أنَّ وزنها فعيلة فميمها أصلية وياؤها زائدة مشتقة من مَدُنَ يَمْدُنُ مدوناً أي قام ، واستدلَّ لهذا القول بإطْبَاقِ القراء على همز مدائن كصحيفة وصحائف ، وسفينة وسفائن ، والياء إذا كانت زائدة في الواحد همزت في الجمع كقبائل وقبيلة ، وإذا كانت من نفس الكلمةِ لم تهمز نحو: معايش ومعيشة ، [ولو كانت مفعلة لم تهمز نحو: مَعِيشَةِ ومعايش ولأنَّهُم جمعوها أيضاً على مُدنٍ كقولهم سفينةٍ وسُفُنٍ وصُحُفٍ] .
قال أبُو حيَّان:"ويقطعُ بأنَّها فعيلة جمعهم لها على فعل قالوا: مدن كما قالوا صُحْفٌ في صحيفة".
قال شهابُ الدِّين:"قد قال الزجاجي: المدن في الحقيقةِ جمع المدين ، لأنَّ المدينة لا تُجْمَععْ على مُدُن ولكن على مدائن ومثل هذا سفن كأنهم جمعوا سفينة على سفين ثم جمعوه على سفن"ولا أدري ما حمله على جعل مدن جمع مدين ، ومدين جمع مدينة مع اطَّراد فُعُل على فَعِيلَةٍ لا بمعنى مفعولة ، اللهم إلا أن يكون قد لحظ في مدينة أنَّهَا فعيلة بمعنى مفعولة ؛ لأنَّ معنى المدينةِ أن يمدن فيها أي يقام ، ويُؤيِّدُ هذا ما سيأتي أنَّ مدينة وزنها في الأصْلِ مديونة عند بعضهم.
القول الثاني: أن وزنها مفعلة من دَانَهُ يَدِينُهُ أي ساسه يَسُوسُهُ ، فمعنى مدينة أي مَمْلُوكَة ومسوسة أي مَسُوسٌ أهلها من دانهم ملكهم إذا سَاسَهُم ، وكان ينبغي أن يجمع على مداين بصريح الياء كمعايشَ في مشهور لُغَةِ العَرَبِ.
الثالث: أن وزنها مفعولة ، وهو مَذْهَبُ المبرِّد قال:"هي من دَانَهُ يَدينُهُ إذا ملكه"