والأكثر من المتقدّمين والمتأخرين أنه إذا وجب تنزيه الباري سبحانه عن الجهة والتحيّز فمن ضرورة ذلك ولواحقه اللازمة عليه عند عامة العلماء المتقدّمين وقادتهم من المتأخرين تنزيهه تبارك وتعالى عن الجهة ، فليس بجهة فوق عندهم ؛ لأنه يلزم من ذلك عندهم متى اختص بجهة أن يكون في مكان أو حيز ، ويلزم على المكان والحيز الحركة والسكون للمتحيز ، والتغير والحدوث.
هذا قول المتكلمين.
وقد كان السلف الأوّل رضي الله عنهم لا يقولون بنفي الجهة ولا ينطقون بذلك ، بل نطقوا هم والكافّة بإثباتها لله تعالى كما نطق كتابه وأخبرت رسله.
ولم ينكر أحد من السلف الصالح أنه استوى على عرشه حقيقة.
وخص العرش بذلك لأنه أعظم مخلوقاته ، وإنما جهلوا كيفية الاستواء فإنه لا تعلم حقيقته.
قال مالك رحمه الله: الاستواء معلوم يعني في اللغة والكَيْف مجهول ، والسؤال عن هذا بدعة.
وكذا قالت أم سلمة رضي الله عنها.
وهذا القدر كافٍ ، ومن أراد زيادة عليه فليقف عليه في موضعه من كتب العلماء.
والاستواء في كلام العرب هو العلوّ والاستقرار.
قال الجوهريّ: واستوى من اعوجاج ، واستوى على ظهر دابته ؛ أي استقر.
واستوى إلى السماء أي قصد.
واستوى أي استولى وظهر.
قال:
قد استوى بِشرٌ على العِراق ...
من غير سيف ودمٍ مهراق
واستوى الرجل أي انتهى شبابه.
واستوى الشيء إذا اعتدل.
وحكى أبو عمر بن عبد البر عن أبي عبيدة في قوله تعالى: {الرحمن عَلَى العرش استوى} [طه: 5] قال: علا.
وقال الشاعر:
فأوردتهم ماء بفَيْفَاء قفْرَةٍ ...
وقد حَلّق النجمُ اليمانِيّ فاستَوَى
أي علا وارتفع.
قلت: فعلوّ الله تعالى وارتفاعه عبارة عن علوّ مجده وصفاته وملكوته.
أي ليس فوقه فيما يجب له من معاني الجلال أحد ، ولا معه من يكون العلوّ مشتركاً بينه وبينه ؛ لكنه العليّ بالإطلاق سبحانه.
قوله تعالى: {عَلَى العرش} لفظ مشترك يطلق على أكثر من واحد.