قال بعض العلماء: لو سمع أَبقراط هذه القسمة، لعجب من هذه الحكمة!!
ونحن نقول: ما أَعظمَ حكمةَ سيدنا رسول الله - صلى الله عليه وسلم -، في هذا الدستور، الذي وضعه لحماية الجسم البشرى من شَرَهِ جَهَازِهِ الهضميِ فإنَّ الأكل الكثير يورث التخمة، ونتن الفم، والجَشاء؛ لتخمُّر الطعام وفساده، وذلك يستتبع شتَّى العلِل. وقد يموت المرءُ بسكتة قلبّية بسبب امتلاء بطنه، وضغطه على القلب.
فلذا ينبغي اتباع هذا الطب النبوى الذي اشتمل عليه الحديث السابق، لتجتنب المعاطب.
{إِنَّهُ لَا يُحِبُّ الْمُسْرِفِينَ} :
أي لا يرضي الله تعالى عن إسرافهم، ويكرههم من أجله.
والجملة تعليل للنهى عن الإسراف ..
وقد جمعت هذه الآية وجوه البلاغة وأُصول الأَحكام، باشتمالها على الأمر والنهي والإباحة والخَبَر، كما جمعت - في نصفها - الحكمة.
تنبيه:
ذهب بعض العلماءِ إِلى أن النهي عن الإِسراف، يشمل: اللباس أَيضا، وهو رأى عكرمة وابن عباس أَيضا.
فقد أخرج ابن أَبي شيبة، وكذا البُخارى تعليقا قال: قال - صلى الله عليه وسلم:"كُلْ ما شئت، والبَسْ ما شئت ما أخطأتك خصلتان: سَرَفٌ وَمَخِيَلَةٌ"والمَخِيلة: الكِبر.
32 - {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} :
قل يا أيها الرسول لقومك: مَن حرّم زينة الله التي خلقها لنفع عباده وتجملهم؟
ومَن حرَّم الطيبات من الرزق؟
والطيبات من الرزق: ما طاب طعما وكسبا.
واستُدِلَّ بهذه الآية: على أن الأَصل في المطاعم وأَنواع التجملات: الإباحة، لأَن الاستفهام في (مَنْ) لإنكار تحريمها على أبلغ وجه. كما استدل بها من قال بحل لبس الحرير والخزِّ للرجال، نظرا لعمومها.
رُوِى عن علي زين العابدين رضي الله عنه، أنه كان يلبَس كِسَاءَ خزٍّ بخمسين دينارا .. يلبسه في الشتاءِ - فإذا كان الصيف تصدق به، أو باعه وتصدق بثمنه .. وكان يلبس في الصيف ثوبين من متاع مصر، مُمَشَّقَيْن (أي مصبوغين بالمَشْق. وهو صبغ أحمر) ويقول: {قُلْ مَنْ حَرَّمَ زِينَةَ اللهِ الَّتِي أَخْرَجَ لِعِبَادِهِ وَالطَّيِّبَاتِ مِنَ الرِّزْقِ} .