ولا تجد في آيات الذكر الحكيم ذكر جزاء المؤمنين إلا كان هذان الوصفان الإيمان والعمل الصالح مذكورين معا فإن العمل ثمرة الإيمان، وغصونه، والشجرة تتغذى من الغصون، كما تتغذى من الجذر، فالعمل يثبت الإيمان، ويغذيه ويقويه.
وقد ذكر - سبحانه وتعالى - الجزاء، وهو خبر الموصول، فقال: (أولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) الإشارة إلى المتصفين بهاتين الصفتين، وهما صلة الموصول، وذكرهما دليل على أنهما سبب هذا الاستحقاق، وقد أكد الله تعالى استحقاق الذين آمنوا وعملوا الصالحات للجنة بقصرها عليهم، وذلك بتعريف الطرفين، وبضمير الفصل"هم"فهم أصحابها الملازمون لها، وأكدها لهم بخلودهم فيها، والله تعالى ذو المن والإكرام.
وقد ذكرت جملة معترضة بين متلازمين، وهما المبتدأ في قوله تعالى:
(وَالَّذِينَ آمَنُوا) ، والخبر في قوله تعالى: (أولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ) .
وكانت هذه الجملة التي توسطت بين هذين المتلازمين هي قوله تعالى: (لا نُكَلِّف نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا) والوسع هو مما يمكن عمله بيسر وسهولة، كما فسر بذلك معاذ بن جبل - رضي الله تعالى عنه -، والمعنى لَا يكلف الله تعالى نفسا مؤمنة، واعترض بهذه الجملة السامية بعد كلمة"الصالحات"، لبيان أن القيام بالتكليفات الإسلامية سهل ميسر، وليس شاقا إلا على من عصى الله تعالى، فهو سهل في ذاته، لمن تكون له إرادة، لم يخالطها الهوى، ولم تسيطر عليها الشهوة، وإن النبي - صلى الله عليه وسلم - قال:"بشروا ولا تنفروا، ويسروا ولا تعسروا".
ولقد روت عائشة - رضي الله عنها:"ما خير النبي - صلى الله عليه وسلم - بين أمرين إلا اختار أيسرهما ما لم يكن معصية".
وإن الله تعالى أنعم على المؤمنين يوم القيامة بهذا النعيم المقيم، وأنعم عليهم مع ذلك بنعمة المحبة، والرضا واطمئنان النفس؛ ولذا قال تعالى:
(وَنَزَعْنَا مَا فِي صُدُورِهِمْ مِنْ غِلٍّ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهِمُ الْأَنْهَارُ وَقَالُوا الْحَمْدُ لِلَّهِ الَّذِي هَدَانَا لِهَذَا وَمَا كُنَّا لِنَهْتَدِيَ لَوْلَا أَنْ هَدَانَا اللَّهُ ...(43)