والتعبير هنا بالظالمين، وفي الآية السابقة بالمجرمين؛ لأن الوصفين متحققان فيهما، فهم أجرموا في حق المجتمع فأفسدوه؛ وظلموا أنفسهم، وظلموا الحقائق بما ارتكبوا من معاصٍ، وتعدوا الحدود، ومن تعدى حدود الله فقد ظلم نفسه، وكان ما ينزل بهم يوم القيامة جزاء وفاقا لما ارتكبوا، والله تعالى يتغمدنا بعطفه ومغفرته.
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا أُولَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ(42)
وبعد أن بين - سبحانه وتعالى - ما ينزل بالمشركين أو الكافرين، عموما أخذ - سبحانه تعالى - يبين في مقابله ما يناله المؤمنون من جنة ونعيم مقيم، وروح وريحان وزوال للأحقاد وغل للأنفس، وذلك نعيم فوق كل نعيم، ولذا قال تعالى:
(وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَا نُكَلِّفُ نَفْسا إِلَّا وُسْعَهَا أُوْلَئِكَ أَصْحَابُ الْجَنَّةِ هُمْ فِيهَا خَالِدُونَ) الواو هنا عاطفة، عطفت جزاء الصالحين على جزاء الكافرين من مشركين وكتابيين وصابئين ومجوس وغيرهم من براهمة وبوذيين.
وبالموازنة بين الجزاءين، يتبين الفرق بينهما في الآخرة كالفرق بينهما في الحياة الدنيا، فجزاء الآخرة هو ثمرة ما وقع في الدنيا، إن خيرا فخيرا وصف الله تعالى المؤمنين بوصفين هما صلة الموصول، الأول بقوله تعالى: (آمَنُوا) أي اعتقدوا اعتقادا جازما مع الإذعان لكل ما طالب به الله تعالى، وأحبوا الله تعالى، وقدموا أنفسهم له سبحانه:
الوصف الثاني ما عبر عنه - سبحانه وتعالى: (وَعَمِلُوْا الصالِحَاتِ) أي كانت ثمرة إيمانهم واضحة في أنهم صاروا قوما صالحين والصلاح وصف يقتضي أن يكون نافعا، وصالحا في ذات نفسه، ليس في قلبه فساد، ولا يسيطر عليه هواه، وأن يقوم بالعمل الصالح من طاعة لله تعالى في أوامره ونواهيه، فلا يعصي الله تعالى، ولا يرتكب ما نهاه عنه، ولا يتخاذل عن القيام بما أمر به.