143 -وبعد أن ذكر سبحانه أن الأنعام؛ إما حمولة وإما فرش .. فصلها وقسمها إلى ثمانية أزواج، فإن الحمولة؛ إما إبل، وإما بقر، والفراش؛ إما ضأن، وإما معز، وكل من الأقسام الأربعة؛ إما ذكر، وإما أنثى، وكل هذا الإيضاح المحال التي تقولوها على الله تعالى بالتحريم والتحليل، ثم تبكيتهم بإظهار كذبهم وافترائهم في كل محل من هذه المحال بتوجيه الإنكار إليها مفصلة، فقال: وهو سبحانه وتعالى أنشأ لكم {ثَمانِيَةَ أَزْواجٍ} ؛ أي: ثمانية أصناف من الأنعام أنشأ لكم {مِنَ الضَّأْنِ اثْنَيْنِ} ؛ أي: زوجين الكبش والنعجة، وقدم الضأن على المعز؛ لغلاء ثمنه، وطيب لحمه، وعظم الانتفاع بصوفه، والضأن ذوات الصوف من الغنم، والمعز ذوات الشعر منها. وقرأ طلحة بن مصرف والحسن وعيسى بن عمر: {من الضأَن} - بفتح الهمزة - وقرأ أبان بن عثمان: {اثنان} - بالرفع على الابتداء والخبر مقدم - {وَ} أنشأ لكم {مِنَ الْمَعْزِ اثْنَيْنِ} ؛ أي: زوجين التيس والعنز. وقرأ ابن عامر وابن كثير وأبو عمرو: {من المعَز} - بفتح العين - وقرأ باقي السبعة بسكونها، وقرأ أبي: {ومن المعزي} .
وهذه الأنواع الأربعة تفصيل للفرش فـ {قُلْ} لهم أيها الرسول تبكيتا وتوبيخا وإنكارا عليهم {آلذَّكَرَيْنِ حَرَّمَ} ؛ أي: هل حرم الله سبحانه وتعالى الذكرين الكبش والتيس من ذينك النوعين؟ {أَمِ} حرم {الْأُنْثَيَيْنِ} النعجة والعنز (أم) حرم {ما اشْتَمَلَتْ عَلَيْهِ أَرْحامُ الْأُنْثَيَيْنِ} ؛ أي: ما حملته إناث النوعين ذكرا كان أو أنثى؟ أي: قل لهم إن كان حرم الذكور .. فكل ذكر حرام، وإن كان حرم الإناث .. فكل أنثى حرام، وإن كان حرم ما اشتملت عليه أرحام الأنثيين، يعني؛ من الضأن والمعز .. فكل مولود حرام ذكرا كان أو أنثى، وكلها مولود، فيستلزم أن كلها حرام، فمن أين أخذتم تحريم البحائر والسوائب مثلا، وتحليل غيرها. وقوله: {آلذَّكَرَيْنِ} فيه قراءتان لا غير، مد الهمزة مدا لازما بقدر ثلاث ألفات، وتسهيل الهمزة الثانية على حد قوله في «الخلاصة» :
وايمن همز أل كذا ويبدل ... مدّا في الاستفهام أو يسهّل