الوجه الثاني: أنا لو سلمنا عدم ضعف حديث خالد. فإنه معارض بما هو أقوى منه كحديث جابر بن عبد الله رضي الله عنهما قال:"نهى النَّبي صلى الله عليه وسلم يوم خيبر عن لحوم الحمر ، ورخص في لحوم الخيل"، وفي لفظ في الصحيح"وأذن في لحوم الخيل"، وكحديث أسماء بنت أبي بكر الصديق رضي الله عنها قالت:"نحرنا فرساً على عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فأكلناه"متفق عليهما.
ولا شك في أنهما أقوى من حديث خالد ، وبهذا كله تعلم أن الذي يقتضي الدليل الصريح رجحانه إباحة أكل لحم الخيل ، والعلم عند الله تعالى ، ولا يخفى أن الخروج من الخلاف أحوط ، كما قال بعض أهل العلم.
وإن الأورع الذي يخرج من... خلافهم ولو ضعيفاً فاستبن
ومن ذلك الكلب: فإن أكله حرام عند عامة العلماء ، وعن مالك قول ضعيف جداً بالكراهة.
ولتحريمه أدلة كثيرة. منها: ما تقدم في ذي الناب من السباع. لأن الكلب سبع ذو ناب ، ومنها أنه لو جاز أكله لجاز بيعه ، وقد ثبت النهي عن ثمنه في الصحيحين من حديث أبي مسعود الأنصاري ، مقروناً بحلوان الكاهن ، ومهر البغي ، وأخرجه البخاري من حديث أبي جحيفة ، وأخرجه مسلم من حديث رافع بن خديج ، رضي الله عنه ، بلفظ"ثمن الكلب خبيث"الحديث.
وذلك نص في التحريم لقوله تعالى: {وَيُحَرِّمُ عَلَيْهِمُ الخبآئث} [الأعراف: 157] الآية.
فإن قيل: ما كل خبيث يحرم لما ورد في الثوم أنه خبيث ، وفي كسب الحجام أنه خبيث. مع أنه لم يحرم واحد منهما.
فالجواب: أن ما ثبت بنص أنه خبيث كان ذلك دليلاً على تحريمه ، وما أخرجه دليل يخرج ، ويبقى النص حجة فيما لم يقم دليل على إخراجه ، كما هو الحكم في جل عمومات الكتاب ، والسنة يخرج منها بعض الأفراد بمخصص ، وتبقى حجة في الباقي. وهذا مذهب الجمهور ، وإليه أشار في (مراقي السعود) بقوله:
وهو حجة لدى الأكثر إن... مخصص له معيناً يبن