فبهذا الحديث ذكرنا كله تعلم أن الخرص حكم ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وسلم لا ظن وتخمين باطل ، بل هو اجتهاد ورد به الشرع في معرفة قدر الثمر وإدراكه بالخرص الذي هو نوع من المقادير والمعايير ، فهو كتقويم المتلفات ووقت الخرص حتى يبدو صلاح الثمر ، كما قدمنا لما قدمنا ، من الرواية"بأنه صلى الله عليه وسلم كان يبعث الخارص فيخرص عليهم النخل حين يطيب قبل أن يؤكل"، ولا خلاف في ذلك بين العلماء.
والجمهور القائلون بالخرص اختلفوا في حكمه ، فقيلك هو سنة ، لأن النَّبي صلى الله عليه وسلم ، كان يأمر به ، وقيل: واجب لما تقدم في حديث عتاب من قوله"أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم أن يخرص العنب"الحديث المتقدم ، قالوا: الأمر للوجوب ، ولأنه إن ترك الخرص قد يضيع شيء من حق الفقراء ، والأظهر عدم الوجوب ، لأن الحكم بأن هذا الأمر واجب يستوجب تركه العقاب يحتاج إلى دليل ظاهر قوي ، والله تعالى اعلم.
واختلف العلماء القائلون بالخرص هل على الخارص أن يترك شيئاً ، فقال بعض العلماء: عليه أن يترك الثلث أو الربع ، لما رواه الإمام أحمد ، وأصحاب السنن إلا ابن ماجه ، وابن حبان ، والحاكم وصححاه عن سهل ابن أبي حثمة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم"إذا خرصتم فخذوا ، ودعوا الثلث ، فإن لم تدعوا الثلث فدعوا الربع"فإن قيل في إسناده عبد الرحمن بن مسعود بن نيار الراوي عن سهل بن أبي حثمة.
وقد قال البزار: إنه انفرد به ، وقال ابن القطان لا يعرف حاله ، فالجواب أن له شاهداً بإسناد متفق عليه على صحته"أن عمر بن الخطاب أمر به ، قاله الحاكم ، ومن شواهده ما رواه ابن عبد البر عن جابر مرفوعاً"خففوا ، في الخرص"الحديث ، وفي إسناده ابن لهيعة."
وممن قال بهذا القول الإمام أحمد ، وإسحاق ، والليث ، وأبو عبيد وغيرهم ، ومشهور مذهب مالك. والصحيح في مذهب الشافعي أن الخارص لا يترك شيئاً.