فهرس الكتاب
⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.

⚠️ تم عرض جزء فقط من الفهرس حول الصفحة الحالية لتسريع التحميل.
الصفحة 154587 من 466147

وَأَمَّا نَفَسُ الِافْتِخَارِ فَهُوَ نَتِيجَةُ هَذَيْنِ النَّفَسَيْنِ؛ لِأَنَّهُمَا إِذَا صَحَا لِلْعَبْدِ حَصَلَ لَهُ الْقُرْبُ مِنْ رَبِّهِ، وَالْأُنْسُ بِهِ، وَالْفَرَحُ بِهِ، وَبِالْخِلَعِ الَّتِي خَلَعَهَا رَبُّهُ عَلَى قَلْبِهِ وَرُوحِهِ مِمَّا لَا يَقُومُ لِبَعْضِهِ مَمَالِكُ الدُّنْيَا بِحَذَافِيرِهَا، فَحِينَئِذٍ يَتَنَفَّسُ نَفَسًا آخَرَ، يَجِدُ بِهِ مِنَ التَّفْرِيجِ وَالتَّرْوِيحِ وَالرَّاحَةِ وَالِانْشِرَاحِ مَا يُشَبَّهُ مِنْ بَعْضِ الْوُجُوهِ بِنَفَسِ مَنْ جُعِلَ فِي عُنُقِهِ حَبْلٌ لِيُخْنَقَ بِهِ حَتَّى يَمُوتَ، ثُمَّ كُشِفَ عَنْهُ وَقَدْ حُبِسَ نَفَسُهُ، فَتَنَفَّسَ نَفَسَ مَنْ أُعِيدَتْ عَلَيْهِ حَيَاتُهُ، وَتَخَلَّصَ مِنْ أَسْبَابِ الْمَوْتِ.

فَإِنْ قُلْتَ: مَا لِلْعَبْدِ وَالِافْتِخَارِ؟ وَأَيْنَ الْعُبُودِيَّةُ مِنْ نَفَسِ الِافْتِخَارِ؟

قُلْتُ: لَا يُرِيدُ بِذَلِكَ أَنَّ الْعَبْدَ يَفْتَخِرُ بِذَلِكَ، وَيَخْتَالُ عَلَى بَنِي جِنْسِهِ، بَلْ هُوَ فَرَحٌ وَسُرُورٌ لَا يُمْكِنُ دَفْعُهُ عَنْ نَفْسِهِ بِمَا فَتَحَ عَلَيْهِ رَبُّهُ، وَمَنَحَهُ إِيَّاهُ، وَخَصَّهُ بِهِ، وَأَوْلَى مَا فَرِحَ بِهِ الْعَبْدُ فَضْلُ رَبِّهِ عَلَيْهِ؛ فَإِنَّهُ تَعَالَى يُحِبُّ أَنْ يَرَى أَثَرَ نِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ، وَيُحِبُّ الْفَرَحَ بِذَلِكَ؛ لِأَنَّهُ مِنَ الشُّكْرِ، وَمَنْ لَا يَفْرَحْ بِنِعْمَةِ الْمُنْعِمِ لَا يُعَدُّ شَكُورًا، فَهُوَ افْتِخَارٌ بِمَا هُوَ مَحْضُ مِنَّةِ اللَّهِ وَنِعْمَتِهِ عَلَى عَبْدِهِ، لَا افْتِخَارَ بِمَا مَنَّ الْعَبْدُ، فَهَذَا هُوَ الَّذِي يُنَافِي الْعُبُودِيَّةَ لَا ذَاكَ.

وَهُنَا سِرٌّ لَطِيفٌ، وَهُوَ أَنَّ هَذَا النَّفَسَ يَفْخَرُ عَلَى أَنْفَاسِهِ الَّتِي لَيْسَتْ كَذَلِكَ، كَمَا تَفْخَرُ الْحَيَاةُ عَلَى الْمَوْتِ، وَالْعِلْمُ عَلَى الْجَهْلِ، وَالسَّمْعُ عَلَى الصَّمَمِ، وَالْبَصَرُ عَلَى الْعَمَى، فَيَكُونُ الِافْتِخَارُ لِلنَّفَسِ عَلَى النَّفَسِ، لَا لِلْمُتَنَفِّسِ عَلَى النَّاسِ، وَاللَّهُ أَعْلَمُ.

[فَصْلٌ الْحَيَاةُ الثَّالِثَةُ حَيَاةُ الْوُجُودِ]

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت