فَهَذَا فَصْلٌ مُخْتَصَرٌ نَافِعٌ فِي ذِكْرِ الْحَيَاةِ وَأَنْوَاعِهَا، وَالتَّشْوِيقِ إِلَى أَشْرَفِهَا وَأَطْيَبِهَا، فَمَنْ صَادَفَ مِنْ قَلْبِهِ حَيَاةً انْتَفَعَ بِهِ، وَإِلَّا فَخُودٌ تُزَفُّ إِلَى ضَرِيرٍ مُقْعَدٍ.
فَلْنَرْجِعْ إِلَى شَرْحِ كَلَامِ صَاحِبِ الْمَنَازِلِ:
قَالَ: وَلَهَا ثَلَاثَةُ أَنْفَاسٍ: نَفَسُ الْخَوْفِ، وَنَفَسُ الرَّجَاءِ، وَنَفَسُ الْمَحَبَّةِ.
لَمَّا كَانَ لِكُلِّ حَيَوَانٍ مُتَنَفَّسًا، فَإِنَّ النَّفَسَ مُوجِبُ الْحَيَاةِ وَعَلَامَتُهَا، كَانَتْ أَنْفَاسُ الْحَيَاةِ الْمُشَارُ إِلَيْهَا ثَلَاثَةُ أَنْفَاسٍ: نَفَسُ الْخَوْفِ؛ وَمَصْدَرُهُ: مُطَالَعَةُ الْوَعِيدِ، وَمَا أَعَدَّ اللَّهُ لِمَنْ آثَرَ الدُّنْيَا عَلَى الْآخِرَةِ، وَالْمَخْلُوقَ عَلَى الْخَالِقِ، وَالْهَوَى عَلَى الْهُدَى، وَالْغَيَّ عَلَى الرَّشَادِ.
وَنَفَسُ الرَّجَاءِ؛ وَمَصْدَرُهُ مُطَالَعَةُ الْوَعْدِ، وَحُسْنُ الظَّنِّ بِالرَّبِّ تَعَالَى، وَمَا اللَّهُ أَعَدَّ لِمَنْ آثَرَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ وَالدَّارَ الْآخِرَةَ، وَحَكَّمَ الْهُدَى عَلَى الْهَوَى، وَالْوَحْيَ عَلَى الْآرَاءِ، وَالسُّنَّةَ عَلَى الْبِدْعَةِ، وَمَا كَانَ عَلَيْهِ رَسُولُ اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ وَأَصْحَابُهُ عَلَى عَوَائِدِ الْخَلْقِ.
وَنَفَسٌ بِالْمَحَبَّةِ؛ مَصْدَرُهُ مُطَالَعَةُ الْأَسْمَاءِ وَالصِّفَاتِ، وَمُشَاهَدَةُ النَّعْمَاءِ وَالْآلَاءِ.
فَإِذَا ذَكَرَ ذُنُوبَهُ تَنَفَّسَ بِالْخَوْفِ، وَإِذَا ذَكَرَ رَحْمَةَ رَبِّهِ وَسَعَةَ مَغْفِرَتِهِ وَعَفْوِهِ تَنَفَّسَ بِالرَّجَاءِ، وَإِذَا ذَكَرَ جَمَالَهُ وَجَلَالَهُ وَكَمَالَهُ وَإِحْسَانَهُ وَإِنْعَامَهُ تَنَفَّسَ بِالْحُبِّ.