وَإِذَا عَرَفَ أَنَّ الدُّنْيَا طَرِيقٌ وَمَمَرٌّ كَانَ حَرِيًّا بِتَهْيِئَةِ الزَّادِ لِقَرَارِهِ، وَيَعْلَمُ حِينَئِذٍ أَنَّهُ لَمْ يَنْشَأْ فِي هَذِهِ الدَّارِ لِلِاسْتِيطَانِ وَالْخُلُودِ، وَلَكِنْ لِلْجَوَازِ إِلَى مَكَانٍ آخَرَ، هُوَ الْمَنْزِلُ وَالْمُتَبَوَّأُ، وَأَنَّ الْإِنْسَانَ دُعِيَ إِلَى ذَلِكَ بِكُلِّ شَرِيعَةٍ، وَعَلَى لِسَانِ كُلِّ نَبِيٍّ، وَبِكُلِّ إِشَارَةٍ وَدَلِيلٍ، وَنُصِبَ لَهُ عَلَى ذَلِكَ عِلْمٌ، وَضُرِبَ لِأَجَلِهِ كُلُّ مَثَلٍ، وَنُبِّهَ عَلَيْهِ بِنَشْأَتِهِ الْأُولَى وَمَبَادِئِهِ، وَسَائِرِ أَحْوَالِهِ، وَأَحْوَالِ طَعَامِهِ وَشَرَابِهِ، وَأَرْضِهِ وَسَمَائِهِ، بِحَيْثُ أُزِيلَتْ عَنْهُ الشُّبْهَةُ، وَأُوْضِحَتْ لَهُ الْمَحَجَّةُ، وَأُقِيمَتْ عَلَيْهِ الْحُجَّةُ، وَأُعْذِرَ إِلَيْهِ غَايَةَ الْإِعْذَارِ، وَأُمْهِلَ أَتَمَّ الْإِمْهَالِ، فَاسْتَبَانَ لِذِي الْعَقْلِ الصَّحِيحِ وَالْفِطْرَةِ السَّلِيمَةِ أَنَّ الظَّعْنَ عَنْ هَذَا الْمَكَانِ ضَرُورِيٌّ، وَالِانْتِقَالَ عَنْهُ حَقٌّ لَا مِرْيَةَ فِيهِ، وَأَنَّ لَهُ مَحَلًّا آخَرَ لَهُ قَدْ أُنْشِئَ وَلِأَجْلِهِ قَدْ خُلِقَ وَلَهُ هُيِّئَ، فَمَصِيرُهُ إِلَيْهِ وَقُدُومُهُ بِلَا رَيْبٍ عَلَيْهِ، وَأَنَّ دَارَهُ هَذِهِ مَنْزِلُ عُبُورٍ، لَا مَنْزِلُ قَرَارٍ.