فَإِنَّ الْمُحِبَّ يَشْرَعُ أَوَّلًا فِي التَّقَرُّبَاتِ بِالْأَعْمَالِ الظَّاهِرَةِ، وَهِيَ ظَاهِرُ التَّقَرُّبِ، ثُمَّ يَتَرَقَّى مِنْ ذَلِكَ إِلَى حَالِ التَّقَرُّبِ، وَهُوَ الِانْجِذَابُ إِلَى حَبِيبِهِ بِكُلِّيَّتِهِ بِرُوحِهِ وَقَلْبِهِ، وَعَقْلِهِ وَبَدَنِهِ، ثُمَّ يَتَرَقَّى مِنْ ذَلِكَ إِلَى حَالِ الْإِحْسَانِ، فَيَعْبُدُ اللَّهَ كَأَنَّهُ يَرَاهُ، فَيَتَقَرَّبُ إِلَيْهِ حِينَئِذٍ مِنْ بَاطِنِهِ بِأَعْمَالِ الْقُلُوبِ؛ مِنَ الْمَحَبَّةِ وَالْإِنَابَةِ وَالتَّعْظِيمِ وَالْإِجْلَالِ وَالْخَشْيَةِ، فَيَنْبَعِثُ حِينَئِذٍ مِنْ بَاطِنِهِ الْجُودُ بِبَذْلِ الرُّوحِ وَالْجُودُ فِي مَحَبَّةِ حَبِيبِهِ بِلَا تَكَلُّفٍ، فَيَجُودُ بِرُوحِهِ وَنَفْسِهِ، وَأَنْفَاسِهِ وَإِرَادَتِهِ، وَأَعْمَالِهِ لِحَبِيبِهِ حَالًا لَا تَكَلُّفًا، فَإِذَا وَجَدَ الْمُحِبُّ
ذَلِكَ فَقَدْ ظَفِرَ بِحَالِ التَّقَرُّبِ وَسِرِّهِ وَبَاطِنِهِ، وَإِنْ لَمْ يَجِدْهُ فَهُوَ يَتَقَرَّبُ بِلِسَانِهِ وَبَدَنِهِ وَظَاهِرِهِ فَقَطْ، فَلْيَدُمْ عَلَى ذَلِكَ، وَلْيَتَكَلَّفِ التَّقَرُّبَ بِالْأَذْكَارِ وَالْأَعْمَالِ عَلَى الدَّوَامِ، فَعَسَاهُ أَنْ يَحْظَى بِحَالِ الْقُرْبِ.
وَوَرَاءَ هَذَا الْقُرْبِ الْبَاطِنِ أَمْرٌ آخَرُ أَيْضًا، وَهُوَ شَيْءٌ لَا يُعَبَّرُ عَنْهُ بِأَحْسَنِ مِنْ عِبَارَةِ أَقْرَبِ الْخَلْقِ إِلَى اللَّهِ صَلَّى اللَّهُ عَلَيْهِ وَسَلَّمَ عَنْ هَذَا الْمَعْنَى، حَيْثُ يَقُولُ حَاكِيًا عَنْ رَبِّهِ تَبَارَكَ وَتَعَالَى: «مَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي شِبْرًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ ذِرَاعًا، وَمَنْ تَقَرَّبَ مِنِّي ذِرَاعًا تَقَرَّبْتُ مِنْهُ بَاعًا، وَمَنْ أَتَانِي يَمْشِي أَتَيْتُهُ هَرْوَلَةً» فَيَجِدُ هَذَا الْمُحِبُّ فِي بَاطِنِهِ ذَوْقَ مَعْنَى هَذَا الْحَدِيثِ ذَوْقًا حَقِيقِيًّا.
فَذَكَرَ مِنْ مَرَاتِبِ الْقُرْبِ ثَلَاثَةً، وَنَبَّهَ بِهَا عَلَى مَا دُونَهَا وَمَا فَوْقَهَا. فَذَكَرَ تَقَرُّبَ الْعَبْدِ إِلَيْهِ بِالْبِرِّ، وَتَقَرُّبَهُ سُبْحَانَهُ إِلَى الْعَبْدِ ذِرَاعًا، فَإِذَا ذَاقَ الْعَبْدُ حَقِيقَةَ هَذَا التَّقَرُّبِ انْتَقَلَ مِنْهُ إِلَى تَقَرُّبِ الذِّرَاعِ، فَيَجِدُ ذَوْقَ تَقَرُّبِ الرَّبِّ إِلَيْهِ بَاعًا.