فَإِنْ صَعُبَ عَلَيْكَ فَهْمُ هَذَا الْمَعْنَى، وَكَوْنُ الْمُحِبِّ الْكَامِلِ الْمَحَبَّةِ يَسْمَعُ وَيُبْصِرُ وَيَبْطِشُ وَيَمْشِي بِمَحْبُوبِهِ، وَذَاتُهُ غَائِبَةٌ عَنْهُ، فَاضْرِبْ عَنْهُ صَفْحًا، وَخَلِّ هَذَا الشَّأْنَ لِأَهْلِهِ.
خَلِّ الْهَوَى لِأُنَاسٍ يُعْرَفُونَ بِهِ ... قَدْ كَابَدُوا الْحُبَّ حَتَّى لَانَ أَصْعَبُهُ
فَإِنَّ السَّالِكَ إِلَى رَبِّهِ لَا تَزَالُ هِمَّتُهُ عَاكِفَةً عَلَى أَمْرَيْنِ؛ اسْتِفْرَاغُ الْقَلْبِ فِي صِدْقِ
الْحُبِّ، وَبَذْلُ الْجُهْدِ فِي امْتِثَالِ الْأَمْرِ، فَلَا يَزَالُ كَذَلِكَ حَتَّى يَبْدُوَ عَلَى سِرِّهِ شَوَاهِدُ مَعْرِفَتِهِ، وَآثَارُ صِفَاتِهِ وَأَسْمَائِهِ، وَلَكِنْ يَتَوَارَى عَنْهُ ذَلِكَ أَحْيَانًا، وَيَبْدُو أَحْيَانًا، يَبْدُو مِنْ عَيْنِ الْجُودِ، وَيَتَوَارَى بِحُكْمِ الْفَتْرَةِ، وَالْفَتَرَاتُ أَمْرٌ لَازِمٌ لِلْعَبْدِ، فَكُلُّ عَامِلٍ لَهُ شِرَّةٌ، وَلِكُلِّ شِرَّةٌ فَتْرَةٌ، فَأَعْلَاهَا فَتْرَةُ الْوَحْيِ؛ وَهِيَ لِلْأَنْبِيَاءِ، وَفَتْرَةُ الْحَالِ الْخَاصِّ لِلْعَارِفِينَ، وَفَتْرَةُ الْهِمَّةِ لِلْمُرِيدِينَ، وَفَتْرَةُ الْعَمَلِ لِلْعَابِدِينَ، وَفِي هَذِهِ الْفَتَرَاتِ أَنْوَاعٌ مِنَ الْحِكْمَةِ وَالرَّحْمَةِ، وَالتَّعَرُّفَاتِ الْإِلَهِيَّةِ، وَتَعْرِيفِ قَدْرِ النِّعْمَةِ، وَتَجْدِيدِ الشَّوْقِ إِلَيْهَا، وَمَحْضِ التَّوَاجُدِ إِلَيْهَا وَغَيْرِ ذَلِكَ.
وَلَا تَزَالُ تِلْكَ الشَّوَاهِدُ تَتَكَرَّرُ وَتَتَزَايَدُ، حَتَّى تَسْتَقِرَّ، وَيَنْصَبِغَ بِهَا قَلْبُهُ، وَتَصِيرُ الْفَتْرَةُ غَيْرَ قَاطِعَةٍ لَهُ، بَلْ تَكُونُ نِعْمَةً عَلَيْهِ، وَرَاحَةً لَهُ، وَتَرْوِيحًا وَتَنْفِيسًا عَنْهُ.