إذن فالحياة هي أن يكون الكائن على حال يؤدي به مهمته المطلوبة منه . وعلى هذا الاعتبار ففي الإنسان حياة ، وفي الحياة حياة ، وفي النبات حياة ، وفي الجماد حياة ، وكلما تقدم العلم يثبت لنا حيوات أشياء كثيرة جداً كنا نظن ألا حياة فيها ، وإن ظهر لنا في التفاعلات أن بعض الأشياء تتحول إلى أشياء أخرى ، فعلى سبيل المثال الحيوان فيه حياة فإذا ذبحناه وأكلناه ، ورمينا عظامه ، كانت فيها حياة من نوع ثم صارت أجزاؤه إلى جمادية لها حياة من نوعها ، بدليل أنه حين يمر بعض من الزمن يتفتت العظم .
وكنا قديماً في الريف نحلب اللبن في أوعية من الفخار وتوضع في مراقد ، ويستمر اللبن أسبوعاً في المرقد ، ويكون أحلى في يومه عن أمسه . ويزداد اللبن حلاوة كل يوم ، ثم تأخذ زوجة الفلاح قطعة القشطة الأخيرة وتصنع منها الجبن الجميل الطعم . أو الزُّبد لكن بعد أن غلينا اللبن نجده يفسد بعد عدة ساعات ؛ لأنك حين وضعته في المرقد ، أخذته بالحياة فيه فظلت فيه حيوية حياته ، لكن حين غليته فقد قتلت ما فيه من الحياة ، فإن لم تضعه في ثلاجة لابد من أن يتعفن ، ومعنى التعفن أنه لم يعد يؤدي مهمته كلبن ، وإنما انتقل إلى حياة أخرى بفعل البكتريا وغيرها ، ولا يُذهب الحياة إلا الهلاك وهو ما قاله الحق: {كُلُّ شَيْءٍ هَالِكٌ إِلاَّ وَجْهَهُ . .} [القصص: 88]
إذن ، لا تأخذ الميت على أنه شيء ليس فيه حياة ، ولكنه انتقل إلى حياة ثانية .
{أوَمَن كَانَ مَيْتاً فَأَحْيَيْنَاهُ وَجَعَلْنَا لَهُ نُوراً يَمْشِي بِهِ فِي الناس . .} [الأنعام: 122]