وبعد أن بين سبحانه لرسوله أن الناس في شأن القرآن فريقان: فريق فسدت فطرتهم، ولم يبقَ لديهم استعداد لهديه، ولا للعلم بما فيه من تصريف الآيات، ومن ثم كان نصيبهم منه الجحود والإنكار، وفريق آخر اهتدى به، وعمل بما فيه .. أمره أن يتبع ما أوحي إليه من ربه بالبيان له، والعمل به، فقال:
106 - {اتَّبِعْ} يا محمد {مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} ؛ أي: ما أنزل إليك من ربك؛ أي: ما أمرك به ربك في وحيه الذي أوحاه إليك، وهو القرآن، فاعمل به وبلغه إلى عبادي، ولا تلتفت إلى قول من يقول: دارست أو درست، ولا تتبع أهوائهم. وفي قوله: {مَا أُوحِيَ إِلَيْكَ مِنْ رَبِّكَ} تعزية لقلب النبي - صلى الله عليه وسلم - ، وإزالة الحزن الذي حصل له بسبب قولهم: درست. ونبه بقوله سبحانه: {لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ} على أنه سبحانه وتعالى واحد فرد صمد لا شريك له، وإذا كان كذلك .. فإنه تجب طاعته ولا يجوز تركها بسبب جهل الجاهلين، وزيغ الزائعين. وهذه الجملة معترضة لا محل لها من الإعراب، أكد بها إيجاب اتباع الوحي، أو حال مؤكدة من {رَبِّكَ} . {وَأَعْرِضْ} يا محمد {عَنِ} استهزاء {الْمُشْرِكِينَ} وشركهم الذين يستهزئون بك، ولا تبال بهم واتركهم ولا تقاتلهم في الحال حتى يأتيك الأمر بقتالهم، فيكون الأمر بالإعراض منسوخًا بآية السيف على هذا المعنى، أو المعنى: اتركهم في الحال لا على الدوام، فيكون غير منسوخ.
وحاصل معنى الآية: أي اتبع ما أوحي إليك لتزكي نفسك، وتكون إمامًا لأبناء جنسك، فإن الاقتداء لا يتم إلا بمن يعمل بما يعلمه ويأتمر بما يُؤمر به، ثم قرن ذلك باعتقاد توحيد الألوهية وتوحيد الربوبية، فالخالق المربي للأشباح بما أنزل من الرزق، وللأرواح بما أنزل من الوحي، هو المعبود الواحد الذي لا شريك له، المجازي على الأعمال التي لا تقبل شفاعة ولا فداء. ثم أمره بعدئذ بالإعراض عن المشركين بأن لا يبالي بإصرارهم على الشرك ولا مثل قولهم: درست؛ لأن الحق يعلو متى ظهر بالقول والعمل مع الإخلاص، ولا يضره الباطل بتزيينه بزخارف الأقوال، ولا بالانكباب على خرافات الأعمال، ثم هون عليه أمر الإعراض عنهم فقال: