قال صاحبنا ابن القصار: والحق ما قاله أبو حيان؛ لأن مراد النحاة بقولهم اسم الفاعل إذا لم يقيد بالزمان لَا يعمل أي إذا لم يتقيد بزمان متعين إما حال أو مستقبل، فقول الزمخشري: أنه دال على جعل معتبر في الأزمنة المختلفة تقتضي غيرها اعتبره النحاة من كونه لا يعمل؛ لأنه قيد بزمان معين وهو نظير قول الحطيئة:
أَلْقَيْتَ كَاسِبَهَمْ فِي قَعْرٍ مَظْلَمَةٍ
أي الذي من شأنهم أي يكسب لهم في الماضي والحال والاستقبال فهو أيضا لم يتعين بزمان معين إذ الكسب لابد أن يكون في زمان فالمراد غير دال على زمان معين فهو مراد الزمخشري بقوله: دال على عمل مستمر في الأزمنة المختلفة أي أنه مسلوب الدلالة على الزمان المعين، انتهى.
ولما ذكر ابن القصار في شرح سر الخلاف في اسم الفاعل المتعدي لمفعولين إذا كان بمعنى المضي هو الناصب للمفعول الثاني، أو فعل مقدر دل عليه. الأول للسيرافي، قال: قلت لابن عصفور: لَا يوجد هذا في كلامهم أصلا، فاستشهد بقوله تعالى: (وَجَعَلَ اللَّيْلَ سَكَنًا) فقلت له: لعلها بمعنى خلق، و (سَكَنًا) حال، فقال: إنه كان من الليل سكنا لَا في حينه، فقلت له: هي حال مقدرة، فقال: يلزمك ادعاء كون الله تعالى موصوفا بهذه الصفة، وصفات الله تعالى توقيفية فلا يوصف إلا بما ورد أنه وصف به نفسه، فقلت: الذي يدل على وصفه يقدر أنه الآن كذلك قد قدره، فقال: لَا دليل لك إذ يمكن أن يكون خلقه أولا لهذا ثم جعله هكذا يعني الخلق، انتهى.
قلت: قال ابن القصار: هذا البحث بناء على إنما جعل سكنا حالا من اسم الفاعل وهو غير جائز عند البصريين؛ لأنها تكون صفة جرت على غير من هي له، فيجب إبراز الضمير عند البصريين؛ لأن السكون من جهة الليل والمعنى جاعل الليل ذا سكون
أو سكونا فيه، وليس المعنى جاعل الليل مقدرا فيه السكون حتى يلزم منه وصف الله تعالى، المعنى جاعل الليل مقدرا فيه السكون ومقدرا اسم مفعول، فلا يلزم منه هذا بالنص لكن باللزوم من جهة أن الله هو الفاعل لكل شيء ، قال: ونص النحويون في خبر المبتدأ والحال والصفة إنما يمتنع جريانها على غير من هي له وإنَّمَا يجب إبراز الضمير فيها مطلقا، والكوفيون يجوزونه إذا أمن اللبس، انتهى.