وفي قوله: (فَالِقُ الْحَبِّ وَالنَّوَى) ، وقوله: (فَالِقُ الْإِصْبَاحِ) وقوله: (جَعَلَ لَكُمُ النُّجُومَ لِتَهْتَدُوا بِهَا) ، وغير ذلك من الآيات التي ذكر تذكير نعمه وإحسانه إليهم ليتأدى بذلك شكرهم وجعل السعي له.
وجائز أن يستدل به على تذكير قدرته وسلطانه: أن من قدر على ما ذكر لا يحتمل أن يعجزه شيء .
وفيه تذكير تدبيره وعلمه وحكمه على ما ذكرنا من اتساق الأمور والحال على أمر واحد.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ) : قيل: صرفنا الآيات، أي: صرفنا كل آية إلى موضعها الذي يكون لهم دليلا عند الحاجة إليها.
وقيك: (قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ) قد، يينا الآيات (لِقَوْمٍ يَعْلَمُونَ) ، أي: لقوم ينتفعون بعلمهم وإذا انتفعوا بها صارت الآيات لهم؛ لأن من انتفع بشيء يصير ذلك له؛ لذلك ذكر لقوم يعلمون؛ لأنهم إذا لم ينتفعوا بها لم تصر الآيات لهم.
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (وَهُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ مِنْ نَفْسٍ وَاحِدَةٍ فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ قَدْ فَصَّلْنَا الْآيَاتِ لِقَوْمٍ يَفْقَهُونَ(98)
فيه دلالة أنه يبدئ ويعيد من غير شيء ؛ لأنه أخبر أنه خلق البشر كله من نفس واحدة، والخلائق كلهم لو اجتمعوا ما احتملت الأرض، ولم تكن الخلائق بأجمعهم في تلك النفس الواحدة، دل أنه قادر على الابتداء والإعادة لا من شيء: إذ لم يكن لتلك النفس التي خلق الخلائق منها تقدمة شيء .
وقوله - عَزَّ وَجَلَّ -: (فَمُسْتَقَرٌّ وَمُسْتَوْدَعٌ) .
قال الحسن: مستقر في الآخرة بعمله الذي ختم به: إن ختم بعمل الخير يبقى أبدًا في الخير، وإن ختم بشر يبقى أبدًا في شر، ومستودع في أجله، بنتقل من وقت إلى وقت ومن حال إلى حال.