وهذا أصل داء الخلق إلا من عافاه الله، ومرض الشبهات أصعبهما وأقتلهما للقلب.
وللقلب أمراض أخر من الكبر والعجب، والرياء والحسد، والفخر والخيلاء، وحب الرياسة، وحب العلو في الأرض، وكل هذه الأمراض متولدة من مرضي الشهوة والشبهة.
فلا يخرج مرض القلب عن شهوة أو شبهة أو مركب منهما.
وهذه الأمراض كلها متولدة عن الجهل بالله وبدينه وشرعه، ودواؤها بالعلم الإلهي.
فالعلم للقلب مثل الماء للسمك إذا فقده مات، فنسبة العلم إلى القلب كنسبة ضوء العين إليها، فإذا عدمه كان كالعين العمياء.
والله جلَّ جلاله بحكمته سلط على العبد عدواً عالماً بطرق هلاكه، لا يفتر عنه يقظةً ولا مناماً حتى يظفر به.
فيحول أولاً بينه وبين الإسلام، فإن فاته وأسلم زين له البدعة، فإن عجز عنه ألقاه في الكبائر، فإن أعجزه ألقاه في الصغائر، فإن أعجزه أشغله بالعمل المفضول عن العمل الفاضل، فإن أعجزه أشغله بالمباحات والشهوات، فإن أعجزه ذلك سلط عليه حزبه يؤذونه ويشتمونه ويرمونه بالعظائم ليحزنه ويشغل قلبه عن العلم والإرادة وسائر العمل، فهذه سبع سكاكين يذبح بها الشيطان كل واحد من بني آدم.
ولا يمكن أن يحترز من الشيطان من لا علم له بهذه الأمور، ولا علم له بعدوه،
ولا ما يحصنه منه، ولا بكيفية محاربته، ولا بأي شيء يحاربه، وهذا كله لا يحصل إلا بالعلم.
والخير كله بمجموعه ثمر يجتنى من شجرة العلم، والشر كله بمجموعه شوك يجتنى من شجرة الجهل.
وكل شر في العالم سببه مخالفة ما جاءت به الرسل.
وكل خير في العالم فسببه طاعة الرسل.
وآفة العلم عدم مطابقته لمراد الله الديني الذي يحبه ويرضاه، وذلك يكون من فساد العلم تارة .. ومن فساد الإرادة تارة.
ففساده من جهة العلم أن يعتقد أن هذا مشروع محبوب لله، وهو ليس كذلك، أو يعتقد أنه يقربه إلى الله وإن لم يكن مشروعاً، فيظن أنه يتقرب إلى الله بهذا العمل.
وأما فساده من جهة القصد، فأن لا يقصد به وجه الله والدار الآخرة، بل يقصد به الدنيا والخلق.
ولا سبيل للسلامة من هاتين الآفتين في العلم والعمل إلا بمعرفة ما جاء به الرسول في باب العلم والمعرفة، وإرادة وجه الله والدار الآخرة في باب القصد والإرادة.