وصاحب الأمر هو القلب، وسائر الأعضاء حجبة له، توصل إليه من الأخبار والمرئيات ما لم يكن ليأخذه بنفسه.
والقلب خُلق للإيمان والتوحيد وذكر الله، والذكر للقلب بمنزلة الغذاء للجسم.
فكما لا يجد الجسم لذة الطعام والشراب مع السقم، فكذلك القلب لا يجد حلاوة الإيمان والذكر مع حب الدنيا: {الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ (28) } [الرعد: 28] .
وإذا كان القلب مشغولاً بالله، عاقلاً للحق، متفكراً في العلم، فقد وضع في موضعه، كما أن العين إذا صرفت إلى النظر إلى الأشياء فقد وضعت في موضعها.
أما إذا لم يصرف القلب إلى العلم، ولم يودع فيه الحق فهو ضائع، والقلب نفسه
لا يقبل إلا الحق، فإذا لم يوضع فيه، فإنه لا يقبل غير ما خلق له، وهو مع ذلك ليس بمتروك.
فإنه لا يزال في أودية الأفكار الرديئة وأقطار الأماني السافلة.
وإنما يحول بين القلب وبين الحق في غالب الأحوال شغله بغيره من فتن الدنيا، ومطالب الجسد، وشهوات النفس.
وقد يعرض له الهوى قبل معرفة الحق، فيبعده عن النظر فيه، فلا يتبين له الحق، وكثيراً ما يكون ذلك عن كبر يمنعه عن أن يطلب الحق، وقد يعرض له الهوى بعد أن عرف الحق فيجحده ويعرض عنه.
والقلب للعلم كالإناء للماء، والوعاء للعسل، والوادي للسيل، والقلوب أوعية فخيرها أوعاها وأرقها وأصفاها.
فالقلب إن كان ليناً رقيقاً كان قبوله للعلم سهلاً يسيراً، ورسخ فيه العلم وثبت وأثر.
وإن كان القلب قاسياً غليظاً كان قبوله للعلم صعباً عسيراً.
ولا بدَّ مع ذلك أن يكون القلب زاكياً صافياً سليماً حتى يزكو فيه العلم، ويثمر ثمراً طيباً، وإلا فلو قبل العلم وكان فيه كدر وخبث أفسد ذلك العلم كالدغل في الزرع إن لم يمنع الحب أن ينبت منعه أن يزكو ويطيب.
قال النبي - صلى الله عليه وسلم: «ألا وَإنَّ فِي الْجَسَدِ مُضْغَةً: إذَا صَلَحَتْ صَلَحَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، وَإذَا فَسَدَتْ فَسَدَ الْجَسَدُ كُلُّهُ، ألا وَهِيَ الْقَلْبُ» متفق عليه.