فإذا حصل له ذلك فتح له باب حلاوة العبادة، بحيث لا يكاد يشبع منها، إذ يجد فيها اللذة والراحة.
فإذا دخل في الصلاة ودّ أن لا يخرج منها؛ لأنه يناجي مولاه، ويعبد الله كأنه يراه.
ثم يفتح له باب حلاوة استماع كلام الله وتلاوته فلا يشبع منه.
ثم يفتح له باب شهود عظمة الله المتكلم به، وعظمة أسمائه وصفاته، وجلاله وجماله.
ثم يُفتح له باب الحياء من الله فيستحي منه، ويُرزق دوام المراقبة للرقيب.
ثم يفتح له باب الشعور بالقيومية، فيرى تقلبات الكون وتصاريف الوجود بيده سبحانه فيتخذه وكيلاً، ويرضى به مدبراً وكافياً.
وهكذا يترقى من معرفة إلى معرفة، ومن عمل إلى آخر، ومن منزلة إلى منزلة، حتى يلقى ربه مجاهداً صابراً محتسباً.
ومعرفة الله عزَّ وجلَّ تقوم على ثلاثة أركان:
الهيبة .. والحياء .. والأنس.
فإذا عرف قدرة الله وقوته وعظمته وجلاله جاءت عنده صفة الهيبة.
وإذا عرف نعم الله عليه وعلى غيره مع قلة الشكر، وكثرة المعاصي، جاء عنده الحياء.
وإذا عرف لطف الله ورحمته، وكرمه وجوده، وإنعامه وإحسانه، جاء عنده الأنس بالله، والوحشة من الخلق.
وليس في الدنيا نعيم يشبه نعيم الآخرة إلا نعيم الإيمان بالله، والمعرفة به،
وإخلاص العبادة له، فليهنأ بذلك من رزق ذلك: {قُلْ بِفَضْلِ اللَّهِ وَبِرَحْمَتِهِ فَبِذَلِكَ فَلْيَفْرَحُوا هُوَ خَيْرٌ مِمَّا يَجْمَعُونَ (58) } [يونس: 58] .
فيا منفقاً بضاعة العمر في مخالفة حبيبه، والبعد عنه.
أما لك في رضا الرحمن من نصيب؟ .. أما لك في الجنة من شوق؟.
ونور العلم لم يحجب عن القلوب لبخلٍ ومنعٍ من جهة المنعم سبحانه، ولكنه حُجب لخبث وكدورة وشغل من جهة القلوب.
فالقلوب كالأواني ما دامت ممتلئة بالماء لا يدخلها الهواء، فالقلوب المشغولة بغير الله لا تدخلها المعرفة بجلال الله، ولولا أن الشياطين يحومون على قلوب بني آدم لنظروا إلى ملكوت السماء.
وليس المقصود من العلم العمل فقط، بل المقصود الإيمان والعمل، ولو كان المقصود من العلم العمل فقط لكان المنافقون في الجنة، لكنهم في الدرك الأسفل من النار؛ لأنهم يعملون بلا إيمان.