فإذا عاقبة شكره وسعى ربه في شأنه كفرانه به؛ وكذلك درجة فدرجة حتى يكفر بالتالي ثم بالعقل، ثم يصير إلى رب العالمين، وهو الربُّ في الابتداء والانتهاء، لا رب لأحد سواه جل عن الشركاء؛ إذ إليه حاصل الأمر ومصير الخلق، ولو كان كل مرتق حدا يرتقي أَخر لكانت تلك الحدود يكون أبدا آخرها، فيكون الكل توالى أو مطلقًا، ويبطل الأولاء والمأذونون والأئمة جميعًا، وقد كرم اللَّه - تعالى - عليا - كرم الله وجهه - عن هذا الخيال، وعصمه عن هذا الوسواس، والحمد لله.
(وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ ...(80)
ذكر محاجة قومه ولم يبين فيما حاجوه، لكن في الجواب بيان أن المحاجة فيما كانت، وهو قوله: (قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ) .
ثم تحتمل المحاجة في اللَّه: في توحيد اللَّه ودينه. وتحتمل في اتباع أمر اللَّه وطاعته.
وذكر في بعض القصة عن ابن عَبَّاسٍ - رَضِيَ اللَّهُ عَنْهُ - قال: (وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ) : في آلهتهم وخوفوه بها، وقالوا: إنا نخاف آلهتنا، وأنت تشتمها ولا تعبدها، أن تخبلك وتفسدك. وذلك محتمل؛ وهو كقول قوم هود لهود - عليه السلام - (إِنْ نَقُولُ إِلَّا اعْتَرَاكَ بَعْضُ آلِهَتِنَا بِسُوءٍ) .
ثم قال لهم إبراهيم - عليه السلام -: لما لا تخافون أنتم منها؟.
قالوا: كيف نخاف ونحن نعبدها؟! قال: لأنكم تسوون بين الصغير والكبير، والذكر والأنثى، أما تخافون الكبير إذ سويتموه بالصغير، وما تخافون الذكر إذ سويتموه بالأنثى؟!
ويحتمل أنهم خوفوه باللَّه بترك عبادة آلهتهم، لما كانوا يقولون: (مَا نَعْبُدُهُمْ إِلَّا لِيُقَرِّبُونَا إِلَى اللَّهِ زُلْفَى) ، ويقولون: (هَؤُلَاءِ شُفَعَاؤُنَا عِنْدَ اللَّهِ) ، فخوفوا إبراهيم باللَّه بترك عبادتهم لما كان عندهم أن عبادتهم إياها تقربهم إلى الله زلفى وترك العبادة لها يبعدهم، فقال: (وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ) وقد هداني، ولا أخاف مما تشركون به.