فأجل العلوم وأفضلها وأشرفها هو العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، بل هو أصلها كلها.
فإن العلم الإنساني لا يساوي ذرة بالنسبة للعلم الإلهي، وما يعلمه الإنسان من العلوم لا يساوي ذرة بالنسبة لما لا يعلمه، والعلم بذاته سبحانه وأسمائه وصفاته وأفعاله يستلزم العلم بما سواه.
فهو في ذاته سبحانه رب كل شيء ومليكه، والعلم به أصل كل علم ومنشؤه، فمن عرف ربه عرف ما سواه، ومن جهل ربه فهو لما سواه أجهل، والأنعام السائمة خير منه.
ولا شيء أطيب للعبد ولا ألذ ولا أهنأ ولا أنعم للقلب من معرفة ربه، ومحبة فاطره وباريه، ودوام ذكره، والسعي في مرضاته، وهذا هو الكمال الذي لا كمال للعبد بدونه.
وله خلق الخلق .. ولأجله نزل الوحي .. وأرسلت الرسل .. وقامت السموات والأرض .. وخلقت الجنة والنار.
ولأجله شرعت الشرائع، وقام سوق الجهاد، وضربت أعناق من أباه، وآثر غيره عليه.
ولا سبيل إلى الدخول إلى ذلك والمنافسة فيه إلا من باب العلم، فإن محبة
الشيء فرع عن الشعور به.
وأعرف الخلق بالله أشدهم حباً له وخضوعاً له وتعظيماً له، والعلم يفتح الباب العظيم الذي هو سر الخلق والأمر.
ومن أحب شيئاً كانت لذته عند حصوله على قدر حبه إياه، والحب تابع للعلم بالمحبوب، ومعرفة جماله الظاهر والباطن.
فلذة النظر إلى الله بعد لقائه بحسب قوة حبه وإرادته، وذلك بحسب العلم به وبصفات كماله.
فالعلم أقرب الطرق إلى أعظم اللذات، وكل ما سوى الله مفتقر إلى العلم، فالخلق والأمر مصدرهما علم الرب وحكمته، وما قامت السموات والأرض إلا بالعلم، وما بعثت الرسل إلا بالعلم، وما أنزلت الكتب إلا بالعلم، ولا عُبد الله وحده وحُمد وأُثني عليه ومُجد إلا بالعلم، ولا عُرف الحلال من الحرام إلا بالعلم، ولا عُرف فضل الإسلام على غيره إلا بالعلم.
ومعرفة الله بأسمائه وصفاته وأفعاله، ومحبته وطاعته، والتقرب إليه، وابتغاء الوسيلة إليه أمر مقصود لذاته، والله يستحقه لذاته.
وهو سبحانه المحبوب لذاته، الذي لا تصلح العبادة والمحبة والذل والخضوع والتأله إلا له، فهو يستحق ذلك؛ لأنه أهل أن يُعبد، ولو لم يخلق جنة ولا ناراً، ولو لم يضع ثواباً ولا عقاباً.