وأخس الهمم في طلب العلم من قصر همته على تتبع شواذ المسائل وما لم ينزل، ولا هو واقع، وشغل الأوقات والناس بذلك، وكانت همته معرفة الاختلاف، وتتبع أقوال الناس، وضرب بعضها ببعض، وشحن أذهان الناس بذلك: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِنْ تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِنْ تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ (101) } [المائدة: 101] .
وأعلى الهمم في باب الإرادة والعمل، أن تكون الهمة متعلقة بمحبة الله، والوقوف مع مراده الديني الأمري.
وأسفلها أن تكون الهمة واقفة مع مراد صاحبها من الله لا غير، فهو إنما يعبد الله لمراده منه، لا لمراد الله منه.
فالأول: يريد الله، ويريد مراده من الله، والثاني يريد من الله وهو فارغ عن إرادته.
ولذة العلم أعظم اللذات، واللذة التي يجد الإنسان طعمها في الحياة، والتي تبقى بعد الموت، وتنفع في الآخرة، هي لذة العلم بالله وأسمائه وصفاته، ولذة مناجاته وعبادته، وهي لذة الإيمان والأعمال الصالحة.
فأطيب ما في الدنيا معرفته سبحانه، وأطيب ما في الآخرة النظر إليه سبحانه.
وفضيلة الشيء وشرفه يظهر تارة من عموم منفعته .. وتارة من شدة الحاجة إليه .. وتارة من ظهور النقص والشر بفقده .. وتارة من حصول اللذة والسرور والبهجة بوجوده .. وتارة من كمال الثمرة المترتبة عليه وإفضائه إلى أجلّ المطالب.
وهذه الجهات بأسرها حاصلة للعلم، فإنه أعم شيء نفعاً، وأكثره وأدومه، والحاجة إليه فوق الحاجة إلى الغذاء، بل فوق الحاجة إلى التنفس.
والعلم ملائم للنفوس غاية الملاءمة، والجهل مرض ونقص، وهو في غاية
الإيذاء والإيلام للنفس.
والعلوم غذاء للقلوب .. والأطعمة غذاء للأبدان .. والعلوم متفاوتة أعظم التفاوت وأبينه كالأطعمة.
فليس علم النفوس بفاطرها وبارئها ومبدعها، ومحبته والتقرب إليه، كعلمها بالطبيعة وأحوالها.
وشرف العلم تابع لشرف المعلوم، ولا ريب أن أجلّ معلوم وأعظمه وأكبره هو الله الذي لا إله إلا هو رب العالمين، وقيوم السموات والأرضين، الملك الحق المبين.