فمذاكرة الفضائل تولد الشوق والطلب والرغبة لامتثال أوامر الله، وأوامر رسوله، وهي من الإيمان، ونتعلمها قبل الأحكام، فإن القلوب تتأثر من كلام الله ورسوله، وبها تُعرف قيمة الأعمال، فتتحرك الجوارح لأداء الطاعات بالرغبة والشوق.
والمسائل: هي الأحكام التي نتعلمها، ونعمل بها، ونعلمها للناس، والقصد من معرفتها أن تكون جميع أعمالنا على طريقة الرسول - صلى الله عليه وسلم -.
ولا ريب أن الذين أوتوا العلم والإيمان، أرفع من الذين أوتوا الإيمان فقط، والعلم الممدوح هو الذي ورثه الأنبياء لأممهم، وهذا العلم ثلاثة أقسام:
الأول: العلم بالله وأسمائه وصفاته وأفعاله، وما يتبع ذلك، وفي مثله أنزل الله سورة الإخلاص، وآية الكرسي، وآخر سورة الحشر.
والناس في العلم بذلك متفاوتون، فمستقل ومستكثر ومحروم، والله عليم حكيم {يُؤْتِي الْحِكْمَةَ مَنْ يَشَاءُ وَمَنْ يُؤْتَ الْحِكْمَةَ فَقَدْ أُوتِيَ خَيْرًا كَثِيرًا وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ (269) } [البقرة: 269] .
الثاني: العلم بما أخبر الله تعالى به مما كان من الأمور الماضية، أو ما يكون من الأمور المستقبلة والحاضرة، وفي مثله أنزل الله قصص الأنبياء مع أممهم، وأخبار اليوم الآخر، وما فيه من الوعد والوعيد ووصف الجنة والنار.
الثالث: العلم بما أمر الله به، وما نهى عنه، من الأمور المتعلقة بالقلوب والجوارح من الإيمان بالله، ومن معارف القلوب وأحوالها، وأحوال الجوارح وأعمالها، وهو دين الله وشرعه لعباده.
والعلم من حيث الحصول عليه ثلاث درجات:
الأولى: علم جلي، وهو ما يدرك بالحواس كالسمع والبصر والعقل، وهي طرق العلم وأبوابه، وكذلك ما يدرك بخبر الصادق، وما يحصل بالفكر والاستنباط.
والفرق بين العلم والمعرفة، أن المعرفة لب العلم، ونسبة العلم إليها كنسبة الإيمان إلى الإحسان.
الثانية: علم خفي، ينبت في القلوب الطاهرة من كدر الدنيا، والاشتغال بها، وفي الأبدان الزاكية التي زكت بطاعة الله، ونبتت على أكل الحلال.
فمتى خلصت الأبدان من الحرام، وطهرت الأنفس من علائق الدنيا، زكت أرض القلب، فقبلت بذر العلوم والمعارف.