الثالثة: علم لدني، وهو ما يحصل للعبد من غير واسطة، بل بإلهام من الله، وتعريف منه لعبده.
والعلم اللدني: ثمرة العبودية والمتابعة، والصدق مع الله، والإخلاص له، وبذل الجهد في تلقي العلم من مشكاة رسوله، والانقياد له، فيفتح الله له من فهم
الكتاب والسنة بأمر يخصه به.
فالعلم اللدني الرحماني هو ثمرة هذه الموافقة والانقياد، والمحبة التي أوجبها التقرب بالنوافل بعد الفرائض.
واللدني الشيطاني: هو ثمرة الإعراض عن الوحي، وتحكيم الهوى والنفس والشيطان.
والعلماء ثلاثة أقسام:
الأول: عالم بالله، وبأمر الله، فهذا في أعلى الدرجات.
الثاني: عالم بالله، غير عالم بأمر الله.
الثالث: عالم بأمر الله، غير عالم بالله.
أما الأول فهو الذي عرف ربه وعظمته وجلاله، وعرف أحكام دينه وشرعه، فهذا سبيل الأنبياء والصديقين.
وعلامته أن يكون دائم الذكر لربه، خائفًا منه، مستحيًا منه، عابدًا له، مطيعًا له، محبًا له، معظماً له.
وهو أعلى وأفضل مما بعده، لكونه معلمًا للقسمين بعده، وكونه بحيث يحتاجان هما له، ويستغني هو عنهما.
وأما الثاني فهو الذي استولت المعرفة الإلهية على قلبه، فهو يرى عظمة الله وكبرياءه فلا يتفرغ لتعلم الأحكام إلا ما لا بد منه.
وأما الثالث فهو الذي عرف الحلال والحرام، وحقائق الأحكام، لكنه لا يعرف أسرار جلال الله وعظمته وجماله وحقوقه على عباده.
ومعرفة الله سبحانه نوعان:
أحدها: معرفة إقرار، وهي التي اشترك فيها جميع الناس، البر والفاجر، والمطيع والعاصي، كما قال سبحانه: {وَإِذْ أَخَذَ رَبُّكَ مِنْ بَنِي آدَمَ مِنْ ظُهُورِهِمْ ذُرِّيَّتَهُمْ وَأَشْهَدَهُمْ عَلَى أَنْفُسِهِمْ أَلَسْتُ بِرَبِّكُمْ قَالُوا بَلَى شَهِدْنَا أَنْ تَقُولُوا يَوْمَ الْقِيَامَةِ إِنَّا كُنَّا عَنْ هَذَا غَافِلِينَ (172) } [الأعراف: 172] .
الثاني: معرفة توجب الحياء منه، والمحبة له، وتعلق القلب به، والشوق إلى لقائه، والإنابة إليه، وخشيته، والأنس به، والفرار من الخلق إليه، والتوكل عليه وحده، والناس فيها متفاوتون.
ولهذه المعرفة بابان واسعان:
الأول: باب التفكر والتأمل في آيات القرآن، والفهم الخاص عن الله ورسوله.