وَاعْلَم أن الشَّرّ شَهْوَة وَالْخَيْر كَرَاهِيَة والشهوة سَابِقَة على الْكَرَاهِيَة وغالبة عَلَيْهَا حَتَّى يَجِيء الْعلم والصدق فيزيلان الشَّهْوَة ويجعلان الْكَرَاهَة مَكَانهَا فَمن لم يفقه وَلم يفهم هَذَا حِين يسمعهُ لم يحسن مُرَاجعَة سَرِيرَته وَلَا يَجِيء على إصلاحها حَتَّى يتعلمه مِمَّن يُحسنهُ وَيحسن وَصفه وَلَوْلَا كَثْرَة القَوْل فِيهِ لكتبناه.
وَقَالَ نعم الصاحبان الْهم والحزن بِأَمْر الْآخِرَة وَنعم الشّغل المحاسبة وَصَاحب الْهم والحزن والمحاسبة يَجْعَل السَّاعَة الَّتِي لَيْسَ فِيهَا هم وَلَا حزن وَلَا محاسبة سَاعَة بطالة وأقل قَلِيل الْغَفْلَة عِنْده كأكثر الذُّنُوب عِنْد غَيره.
وَمن عَلامَة الْيَقِين فِي العَبْد إدامة الْحزن فِيهِ
يَا أخي وَلَو لم يحزن العَبْد إلا لما يكون فِيمَا يسْتَقْبل من الأعمال من الْجفَاء والسهو والغفلة وَقلة الصدْق فِي فَرْضه ونافلته مثل الَّذِي قد عمل وَلما يجد فِيهَا من قلَّة الْحيَاء والمراقبة لَكَانَ جَدِيرًا أن يحزن ويهتم
وَلَو لم يحزن ويهتم إلا لأنه لَو جَاءَ من الأعمال بِمثل أعمال الْمَلَائِكَة وَالْجِنّ والأنس وَالْعَالمِينَ كلهم لم يكن عِنْده علم فِي ذَلِك أنه فِي المقبول أوْ فِي الْمَرْدُود وَلَا يدْرِي ايقبل من ذَلِك كُله مِثْقَال ذرة أوْ يرد عَلَيْهِ لَكَانَ يَنْبَغِي لَهُ أن يحزن
وَلَو لم يحزن إلا لأنه لَو قيل لَهُ اختر من عمرك أَي سَاعَة شِئْت لم تعص الله فِيهَا لسَبَب من الأسباب لما كَانَ يجد ذَلِك لقد كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أن يحزن.
وَلَو لم يحزن إلا لأنه لَو قيل لَهُ هَل تعرف سَاعَة وَاحِدَة من عمرك أديت إلى الله سُبْحَانَهُ فِيهَا جَمِيع مَا أوجبه عَلَيْك كَمَا أوجبه لقَالَ مَا اعرفها لقد كَانَ يَنْبَغِي لَهُ أن يحزن.
(جماع صَلَاح النُّفُوس)
وَقَالَ إن الناسك إن لم يقبل الْحِكْمَة وَلَا الموعظة وَلَا النَّصِيحَة من الْعَدو وَالصديق وَالسَّفِيه والحليم فنسكه نسك الْمُلُوك
قلت ذكرت شَيْئا ينسي شَيْئا فَمثل أَي شَيْء هَذَا من الأشياء؟
قَالَ مثل الشِّبَع فَإِنَّهُ يهيج الشَّهْوَة وَيُورث الْقَسْوَة والبطر والثقل وَالنَّوْم
وَمثل كَثْرَة الْكَلَام فَإِنَّهُ يقسي الْقلب ويقل الْبَهَاء والمهابة ويعقم الْحِكْمَة وَيكثر السقط