وأما الزبور: فأدعية بتحاميد, وتسابيح تنسب إلى داود عن لفظه، ولئن كانت معاني هذه الكتب مضافة إلى الله تعالى. فليست بصيغة لفظه، ولا على نظم كلامه، كما نزل القرآن جامعًا لألفاظه ومعانيه وترتيبه، فصار مباينًا لجميع كتبه، وما هذا إلا بمعونة إلهية حفظ الله تعالى بها إعجازه، وأمد بها رسوله، كما قال تعالى: {إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ} [1]
ومن إعجازه تيسيره على جميع الألسنة حتى سهل حفظه على الأعجمي الأبكم, ولا يُحفظ غيره من الكتب، كحفظه , ولا تجري به ألسنة البكم كجريها به، وما ذاك إلا بخصائص إلهية فضله الله بها على سائر كتبه. [2]
ومنها العجز عن المعارضة ولو عارضوه لاحتجوا عليه بالمعارضة, ولما احتاجوا معه إلى القتال والمحاربة، مع بذل النفوس، واستهلاك الأموال، ولدفعوه بالأهون دون الأصعب، وقد نقل ما عورض به فظهر فيه العجز، وبان فيه النقص، حتى فضحته ركاكة لفظه، وسخافة نظمه ,وفيما يلي نماذج من المعارض السخيفة التي ظن أهلها أنهم بها يعارضون القرآن الكريم:
1 -حكى ابن قتيبة [3] عن مسيلمة أنه قال في معارضة القرآن: يا ضفدع نقي كما تنقين، لا الماء تكدرين، ولا الشراب تمنعين. فلما سمع هذا أبو بكر رضي الله تعالى عنه قال: إن هذا الكلام لم يخرج من إله. [4]
2 -وحكى عن غيره وأحسبه العنسي أنه قال: ألم تر كيف فعل ربك بالحبلى، أخرج من بطنها نسمة تسعى من بين شراسيف وحشى 0 [5]
3 -وحكى عن آخر، الفيل ما الفيل، له ذنب وثيل، ومشفر طويل، فإن ذلك من خلق ربنا لقليل. [6]
(1) - سورة الحجر آية 9 0
(2) - أعلام النبوة للماوردي ج 1 ص 78 فتح الباري ج 6 ص 583 0
(3) - ابن قتيبة هو عبد الله بن مسلم بن قتيبة، أبو محمد، الدينوري. من أئمة الأدب، ومن المصنفين المكثرين، عالم مشارك في أنواع من العلوم، كاللغة والنحو وغريب القرآن ومعانيه وغريب الحديث والشعر والفقه والأخبار. سكن بغداد وحدث بها وولي قضاء دينور توفي سنة 276 هـ. من تصانيفه: تأويل مختلف الحديث، الإمامة والسياسة، و مشكل القرآن، والمشتبه من الحديث والقرآن. ترجمته في: شذرات الذهب ج 2 ص 169، وتهذيب الأسماء واللغات ج 2 ص 281 والأعلام ج 4 ص 280
(4) - تاريخ الطبري ج 2 ص 276 السيرة لابن حبان ج 1 ص 430 الروض الأنف ج 1 ص 427.
(5) - محمد رسول الله ج 1 ص 604.
(6) - البداية والنهاية ج 6 ص 326 محمد رسول الله ج 1 ص 604.