فهرس الكتاب

الصفحة 60 من 496

أحدها: أنه كتاب معجز بخلاف سائر كتب الأنبياء ومحفوظ عن التحريف والتبديل وأقيم بعده حجة على الناس ومعجزات سائر الأنبياء انقرضت بانقراضهم [1]

ثانيها: أن معجزة كل رسول موافق للأغلب من أحوال عصره، والشائع المنتشر في ناس دهره؛ لأن موسى عليه السلام حين بعث في عصره السحرة ,خص من فلق البحر يبسًا ,وقلب العصا حية بهر كل ساحر، وأذل كل كافر, وبعث عيسى عليه السلام في عصر الطب، فخص من إبراء المرضي ,و إحياء الموتى بما أدهش كل طبيب, و أذهل كل لبيب, ولما بعث محمد? في عصر الفصاحة والبلاغة ,خص بالقرآن في إيجازه وإعجازه بما عجز عنه الفصحاء، وأذعن له البلغاء، وتبلد فيه الشعراء؛ ليكون العجز عنه أقهر، والتقصير فيه أظهر ,فصارت معجزاتهم, و إن اختلف متشاكلة المعاني متفقة العلل. [2]

ثالثها: أن المعجز في كل قوم بحسب أفهامهم ,وعلى قدر عقولهم وأذهانهم، وكان في بني إسرائيل من قوم موسى وعيسى بلادة وغباوة؛ لأنه لم ينقل عنهم ما يدون من كلام مستحسن، أو يستفاد من معنى مبتكر. وقالوا لنبيهم حين مروا بقوم يعكفون على أصنام لهم: اجعل لنا إلهًا كما لهم آلهة، فظنوا أن الإعجاز بما يصلون إليه ببداية حواسهم. والعرب أصح الناس أفهامًا وأحدّهم أذهانًا ,قد ابتكروا من الفصاحة أبلغها، ومن المعاني أغربها، ومن الآداب أحسنها، فخصوا من معجز القرآن بما تجول فيه أفهامهم وتصل إليه أذهانهم، فيدركوه بالفطنة دون البديهة، وبالروية دون البادرة؛ لتكون كل أمة مخصوصة بما يوافق فهمها.

رابعها: أن معجزة القرآن باقية على ممر الدهر, ولا تختص بوقت دون وقت ,ولا قطر دون قطر, فوجه الإعجاز فيه أظهر وأكمل من معجزات الأنبياء جميعًا, ويتناسب مع شرف الرسالة الخاتمة ,وأبديتها ,وعمومها وعظم مكانة الرسول الكريم? [3] .وإعجاز القرآن في خروجه عن كلام البشر, وإضافته إلى الله تعالى يكون من وجوه متعددة من أهمها ما يلي: فمن إعجازه فصاحته وبيانه: ويتحقق ذلك ببلاغة ألفاظه، واستيفاء معانيه، وحسن نظمه.

ومن إعجازه، إيجازه عن هذا الإكثار، واستيفاء معانيه في قليل الكلام كقوله تعالى: {وَقِيلَ يَا أَرْضُ ابْلَعِي مَاءَكِ وَيَا سَمَاءُ أَقْلِعِي وَغِيضَ الْمَاءُ وَقُضِيَ الأَمْرُ وَاسْتَوَتْ عَلَى الْجُودِيِّ وَقِيلَ بُعْدًا لِلْقَوْمِ الظَّالِمِينَ [4] }

وحكي عن الوليد بن المغيرة ـ وكان سيد عشيرته و أفصح قومه ـ أنه جاء إلى أصحاب رسول الله?، وهو على كفره، فقال: اقرؤوا عليّ شيئًا من القرآن, فقرؤوا عليه [5] .

فقال: ليس هذا من كلام البشر، و ليس بشعر. فمضى إليه أبو لهب قال: أفسدت قريشًا, بهذا القول فارجع عنه. فقال: أقول إنه سحر.

ومن إعجازه كثرة معانيه التي لا يجمعها كلام البشر.

ومن إعجازه ما جمعه القرآن من علوم لا يحيط بها بشر، ولا تجتمع في مخلوق، فلم يكن إلا من عند الله المحيط بكل شيء علمًا ,حتى علمه من لم يكن به عالمًا.

ومن إعجازه ما تضمنه من الحجج والبراهين على التوحيد والرجعة وعلى الدهرية، والثنوية حتى قطع بحجاجه كل محتج, وخصم بجدله له كل خصم ألد. [6]

ومن إعجازه ما تضمنه من أخبار القرون الخالية وقصص الأمم السالفة وتحداه به أهل الكتاب من قصة أهل الكهف, وشأن موسى والخضر، وحديث ذي القرنين ,فكان على ما ذكره أنبياؤهم، وتضمنته كتبهم.

ومن إعجازه ما تضمنه من علم الغيب بأخبار تكون فكانت كقوله لليهود: {قُلْ إِنْ كَانَتْ لَكُمْ الدَّارُ الآخِرَةُ عِنْدَ اللَّهِ خَالِصَةً مِنْ دُونِ النَّاسِ فَتَمَنَّوْا الْمَوْتَ إِنْ كُنتُمْ صَادِقِينَ} [7]

ثم قال: {وَلَنْ يَتَمَنَّوْهُ أَبَدًا بِمَا قَدَّمَتْ أَيْدِيهِمْ وَاللَّهُ عَلِيمٌ بِالظَّالِمِينَ} [8] . فما تمناه أحد منهم وكقوله لقريش: {فَإِنْ لَمْ تَفْعَلُوا وَلَنْ تَفْعَلُوا} [9] , فقطع بأنهم لا يفعلون فلم يفعلوا, أو كقوله:

(1) - غاية السول في خصائص الرسول? ج 1 ص 63 لأبي حفص عمر بن علي الأنصاري الشهير بابن الملقن ط دار النشر / دار البشائر الإسلامية - بيروت - 1414 هـ - 1993 م.

(2) - أعلام النبوة للماوردي ج 1 ص 76 0

(3) - غاية السول في خصائص الرسول - صلى الله عليه وسلم - ج 1 ص 66.

(4) - سورة هود آية 44.

(5) - أعلام النبوة للماوردي ج 1 ص 76 , فتح الباري ج 6 ص 583

(6) - أعلام النبوة للماوردي ج 1 ص 78 0

(7) - سورة البقرة آية 94.

(8) - سورة البقرة آية 95 0

(9) - سورة البقرة آية 24.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت