وقد تجمع بعضها بين معاني الإعجاز والتشريف , والتفضيل معًا, وإن كان ذلك موجود في أغلبها لكن قد يخص منها ما يغلب عليه الإعجاز, وما يغلب عليه التشريف, وإلا فالكل يراد به إظهار مدى فضله على الأوليين والآخرين في الدنيا والآخرة.
كما أن منها الخصائص التشريعية على تعدد أنواعها: الواجب والمستحب والمباح والمكروه والحرام وكلها خصال فضّل الله بها نبيه ,وخصه بها دون خلقه , وهذا يعني أن له منزلة خاصة ليست لغيره ,ولم يصل إليها أحد سواه ولن يصلها أحد, وهي منزلة ليست محصورة في نوع معين من الفضائل أو المكارم, وإنما هي منزلة بلغت من المجد غايته العليا ,حيث تعددت فيها الفضائل والمكارم والخصائص التشريفية و الإعجازية ,والتشريعية ,والأخلاقية , والخلقية , فكانت بذلك أعلى منازل الخلق أجمعين, ومن نظر ودقق وجد من جهة التشريع زاده الله ليقربه ويعليه, ومن جهة الإعجاز أعطاه ما أعطى الأنبياء ,وزيادة لم تعط إلا له, حيث أبقى له الخصائص الإعجازية خالدة أبدية إلى يوم الدين, ومن جهة التشريف والتفضيل والتكريم لم يفضل أحدًا عليه ,ولم يشرف, أو يكرم أحدًا مثله ,فضلا عن أن يكرم أحدا بما زاد عليه.
ومن جهة المحاسن والأخلاق جعل الله الحسن شطرًا منه?, والمحاسن والفضائل تقطر وتندى منه, فهو أصل المحاسن والفضائل والمكارم والأخلاق العالية, ومن ثم أقسم الله على عظمتها فيه, وبدون ذلك لا تستحق القسم؛ لأن الله لا يقسم إلا بالأشياء العظيمة على العظائم من الأمور كلها. ومن جهة الخلق, خلقه الله على غير مثال فهو بشر, لكنه ليس مثل البشر؛ لأنه بشر يوحى إليه بالوحي المطلق, بكل أنواعه: مشافهة وكفاحا وبرسول, أما غيره من الأنبياء يوحى إليهم بالوحي المقيد عن طريق الرسول, أو ما هو أدنى من ذلك كالإلهام والرؤيا ونحوها, ولهذا زكى الله عقله وفؤاده وبصره ولسانه وهواه وشرح صدره ورفع ذكره, وبين أنه ببعثته صار العسر يسرًا, فوضع الله به الإصر والأغلال التي كانت على السابقين, وجعله رحمة للخلق أجمعين, فقال: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا رَحْمَةً لِلْعَالَمِينَ} [1] 0 وقال: الَّذِينَ يَتَّبِعُونَ الرَّسُولَ النَّبِيَّ الْأُمِّيَّ الَّذِي يَجِدُونَهُ مَكْتُوبًا عِنْدَهُمْ فِي التَّوْرَاةِ وَالْإِنْجِيلِ
(1) - سورة الأنبياء آية (107)