فسألته عن مجلسه: عما كان يصنع فيه. فقال: كان رسول الله? لا يجلس ولا يقوم إلا على ذكر، ولا يوطن الأماكن [1] ، وينهى عن إيطانها، وإذا انتهى إلى قوم جلس حيث ينتهي به المجلس، ويأمر بذلك، ويعطي كل جلسائه نصيبه حتى لا يحسب، جليسه أن أحدًا أكرم عليه فيه، من جالسه أو قاومه لحاجة صابره حتى يكون هو المنصرف عنه. من سأله حاجة لم يرده إلا بها أو بميسور من القول. قد وسع الناس، بسطه وخلقه، فصار لهم أبًا، وصاروا عنده في الحق سواء، متقاربين متفاضلين فيه التقوى. وفي الرواية الأخرى: صاروا عنده في الحق سواء، مجلسه مجلس حلم وحياء، وصبر وأمانة، لا ترفع فيه الأصوات، ولا تؤبن فيه الحرم، ولا تثنى فلتاته، وهذه الكلمة، من غير الروايتين. يتعاطون فيه بالتقوى متواصفين، يوقرون فيه الكبير، ويرحمون الصغير، ويرفدون ذا الحاجة، ويرحمون الغريب.
فسألته عن سيرته? في جلسائه. فقال: كان رسول الله? دائم البشر، سهل الخلق، لين الجانب، ليس بفظ و لا غليظ، و لا سخاب [2] , ولا فحاش، ولا عياب ولا مداح، يتغافل عما لا يشتهي ولا يوئس منه، قد ترك نفسه من ثلاث: الرياء، والإكثار، وما لا يعنيه،
وترك الناس من ثلاث: كان لا يذم أحدًا، ولا يعيره، ولا يطلب عورته، ولا يتكلم إلا فيما يرجو ثوابه، إذا تكلم أطرق جلساؤه كأنما على رؤوسهم الطير، إذا سكت تكلموا، لا يتنازعون عنده الحديث. من تكلم عنده أنصتوا له حتى يفرغ، حديثهم حديث أولهم، يضحك مما يضحكون منه، ويتعجب مما يتعجبون منه، ويصبر للغريب على الجفوة في المنطق، ويقول: إذا رأيتم صاحب الحجة يطلبها فأرفدوه، ولا يطلب الثناء إلا من مكافئ [3] ، ولا يقطع على أحد حديثه حتى يتجوزه فيقطعه بانتهاء أو قيام. [4]
(1) - وقوله: لا يوطن المواطن، أي لا يتخذ لمصلاه موضعًا معلومًا، وقد ورد نهيه عن هذا مفسرًا في غير هذا الحديث. وصابره: أي حبس نفسه على ما يريد صاحبه. فتح الباري ج 6 ص 5760
(2) - السخاب: الكثير الصياح. عون المعبود ج: 13 ص: 94
(3) - وقوله: و لا يقبل الثناء إلا من مكافئ: قيل: مقتصد في ثنائه و مدحه، و قيل: إلا من مسلم، وقيل إلا من مكافئ على يد سبقت من النبي - صلى الله عليه وسلم -.
(4) - هنا انتهى حديث سفيان بن وكيع. . عون المعبود ج: 13 ص: 940 تحفة الأحوذي ج 10 ص: 54 ص 57