بدليل قوله تعالى: {لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ} ففي هذا الاختصاص أسرار وعطاءات لا يعلمها إلا من أعطاها, وهذا تأهيل من الله لنبيه للمقام المحمود , والشفاعة العظمى, وحتى لا يذهل من كرب يوم القيامة, أو يزلزل من زلزلة الساعة ,رفع الله عنه مجرد التفكير في هذا الأمر ,بأن طمأن قلبه وهنأه بالمغفرة ,وسجل ذلك في القرآن؛ ليكون معجزة باقية إلى يوم الدين يؤيد ذلك ما رواه أنس قال: أنزلت على النبي? {: لِيَغْفِرَ لَكَ اللَّهُ مَا تَقَدَّمَ مِنْ ذَنْبِكَ وَمَا تَأَخَّرَ} [1] في مرجعه من الحديبية, فقال النبي?: لقد أنزلت عليّ آية أحب إلى مما على وجه الأرض, ثم قرأها النبي? عليهم فقالوا: هنيئًا مريئًا يا رسول الله, لقد بين الله لك ماذا يفعل بك, فماذا يفعل بنا؟ فنزلت عليه: {لِيُدْخِلَ الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الأَنْهَارُ خَالِدِينَ فِيهَا } حتى بلغ: {: فَوْزًا عَظِيمًا} [2]
واختلف أهل التأويل في معنى ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك وما تأخر.
فقيل: ما تقدم من ذنبك قبل الرسالة, وما تأخر بعدها , قاله مجاهد. [3]
قال الطبري [4] : هو راجع إلى قوله تعالى: {إِذَا جَاءَ نَصْرُ اللَّهِ وَالْفَتْحُ} .... إلى قوله {تَوَّابًا} , ليغفر لك ما تقدم من ذنبك قبل الرسالة, وما تأخر إلى وقت نزول هذه الآية. [5]
وقال سفيان الثوري في معناها: ليغفر لك الله ما تقدم من ذنبك: ما عملته في الجاهلية من قبل أن يوحى إليك, وما تأخر يعني: كل شيء لم تعمله [6] .
(1) - سورة الفتح آية (2) .
(2) - أخرجه الترمذي , كتاب تفسير القرآن, (48 باب ومن سورة الفتح) , رقم (3263) ج 5 ص 385 , وأخرجه أحمد في مسنده , (مسند أنس بن مالك رضي الله عنه) , رقم (12397) ج 3 ص 134.
(3) - تفسير القرطبي , ج 16 ص 224.
(4) - هو محمد بن جرير بن يزيد بن كثير، أبو جعفر. من أهل طبرستان، استوطن بغداد وأقام بها إلى حين وفاته. من أكابر العلماء. كان حافظًا لكتاب الله، فقيهًا في الأحكام، عالمًا بالسُّنن وطرقها، عارفًا بأيام الناس وأخبارهم. رحل من بلده في طلب العلم وهو ابن اثنتي عشرة سنة من تصانيفه:"اختلاف الفقهاء"؛ و"كتاب البسيط في الفقه"؛ و"جامع البيان في تفسير القرآن"؛ و"التبصير في الأصول".توفي سنة 310 هـ [الأعلام للزركلي 6/ 294؛ وهدية العارفية 6/ 26] .
(5) - تفسير الطبري ج 8 ص 129.
(6) - تفسير القرطبي ج 16 ص 224 , تفسير البغوي ج 1 ص 297.