فالرسول محمد خاتم الأنبياء صلوات الله وسلامه عليه دائمًا إلى يوم الدين المقدم على الأنبياء كلهم, الذي نسخ الله برسالته الرسالات السابقة كلها؛ ولهذا كان إمامهم ليلة الإسراء لما اجتمعوا ببيت المقدس, وكذلك هو الشفيع في المحشر في إتيان الرب جل جلاله, لفصل القضاء بين عباده, وهو صاحب المقام المحمود الذي لا يليق إلا له, والذي يحيد عنه أولو العزم من الأنبياء والمرسلين, حتى تنتهي النوبة إليه ,فيكون هو المخصوص به صلوات الله وسلامه عليه. فناسب ذلك أن يكون الأنبياء أول من يؤمنوا به, وأن يؤخذ عليهم الميثاق بذلك؛ وليبشروا به أقوامهم 0
وهذا المعنى لم يكن لأحد إلا للنبي? ,فاجتمع فيه من وجوه الإعجاز والخصوصية له? ما يدل على تفضيله وتعظيمه? على الأنبياء والخلق جميعًا.
قال الإمام البغوي [1] في تفسيره للآية: وقال بعضهم: أخذ الله الميثاق على النبيين وأممهم جميعًا في أمر محمد?، فاكتفى بذكر الأنبياء؛ لأن العهد مع المتبوع عهد على الأتباع، وهذا معنى قول ابن عباس، وقال علي بن أبي طالب: لم يبعث الله نبيًا، آدم ومن بعده، إلا أخذ عليه العهد في أمر محمد، وأخذ العهد على قومه ليؤمنن به، ولئن بعث وهم أحياء لينصرنه.
والمعنى:"ثم جاءكم رسول مصدق لما معكم"، يعني: محمدًا?، {لَتُؤْمِنُنَّ بِهِ وَلَتَنْصُرُنَّهُ} ، يقول الله تعالى للأنبياء حين استخرج الذرية من صلب آدم عليه السلام والأنبياء فيهم كالمصابيح ولا سرج، وأخذ عليهم الميثاق في أمر محمد?، قال {: أَأَقْرَرْتُمْ وَأَخَذْتُمْ عَلَى ذَلِكُمْ إِصْرِي} [2] أي: قبلتم على ذلكم عهدي، والإصر: العهد الثقيل: {قالوا أقررنا} قال الله تعالى: {فَاشْهَدُوا} أي: فاشهدوا أنتم على أنفسكم وعلى أتباعكم، {وَأَنَا مَعَكُمْ مِنْ الشَّاهِدِينَ} عليكم وعليهم. [3]
(1) - البغوي: هو الحسين بن مسعود بن محمد، الفراء، البغوي. شافعي. فقيه. محدث. مفسر. نسبته إلى (( بغشور ) )من قرى خراسان بين هراة ومرو. توقي 510 همن مصنفاته (( التهذيب ) )في فقه الشافعية؛ و (( شرح السنة ) )في الحديث؛ و (( معالم التنزيل ) )في التفسير. ترجمته: الأعلام للزركلي ج 2 ص 284؛ ابن الأثير ج 6 ص 105.
(2) - سورة آل عمران آية 81 0
(3) - تفسير البغوي ج 1 ص 61.