وعندي هاهنا وجه آخر: وهو أن تكون الواو في"آونة"بمعنى الباء التي هي حرف الجر التي تأتي بمعنى الظرف، والتقدير: بآونة، أي: في آونة، أي: في أزمان، ويكون أصل: أثالا وأثالا بحرف العطف فحذف حرف العطف لأجل الضرورة، وحَذْفُ حرف العطف في الشعر كثير، وعلى كل تقدير: لا يخلو هذا التركيب من المحذور والتعسف.
فإن قلتَّ: هل تأتي الواو بمعنى باء الجر؟
قلتُ: نعم؛ كما يقال أنت أعلم ومالك، أي: بمالك، وبعت الشياه شاة ودرهما، أي: بدرهم [1] ، قوله:"أراهم رفقتي"أرى هاهنا بمعنى أعلم؛ لأنه من أرى الرؤيا؛ لأنه إدراك بالحس الباطن كالعلم، فأجري مجراه في اقتضائه المفعولين، فقوله:"هم"مفعوله الأول.
وقوله:"رفقتي": كلام إضافي مفعوله الثاني، وقوله:"حتى"هاهنا حرف ابتداء؛ أي: حرف يبتدأ بعده الجملة يعني: تستأنف، وكلمة:"إذا"للظرف، وكلمة:"ما"زائدة، ويجوز أن يكون حتى حرف جر، وإذا في موضع جر بحتى؛ كما ذكر الأخفش نحوَه في قوله تعالى: {حَتَّى إِذَا فَشِلْتُمْ وَتَنَازَعْتُمْ} [آل عمران: 152] [2] .
قوله:"تجافى": فعل ماض و"الليل": فاعله، قوله:"وانخزل": عطف على تجافى، و"انخزالًا": نصب على المصدرية.
قوله:"إذا"للمفاجأة، و"أنا": مبتدأ، وخبره قوله:"كالذي"أي: كالرجل الذي، قوله:"أجري"على صيغة المجهول؛ صلة الذي، ويروى:"كالذي يجري"وهو الأشهر.
قوله:"لورد"اللام فيه للتعليل، أي: لأجل الورد إلى الماء، قوله:"إلى آل": يتعلق بقوله:"أجري"، قوله:"فلم يدرك": جملة من الفعل والفاعل، قوله:"بلالًا": مفعوله.
الاستشهاد فيه:
في قوله:"أراهم رفقتي"حيث نصب أرى التي من الرؤيا مفعولين، وهما: الضمير، وقوله:"رفقتي"كما ذكرنا [3] .
(1) قال ابن هشام في حديثه عن خروج الواو عن إفادة مطلق الجمع:"والثاني: أن تكون بمعنى باء الجر كقولهم: أنت أعلم ومالك، وبعت الشاء شاة ودرهمًا، قال جماعة: وهو ظاهر"، المغني (358) .
(2) ذهب الأخفش وابن مالك إلى أن حتى الداخلة على إذا حرف جر، ينظر المغني (29) .
(3) من أفعال القلوب التي تفيد اليقين: رأى فتدخل على المبتدأ والخبر وتنصبهما كقوله تعالى: {إِنَّهُمْ يَرَوْنَهُ بَعِيدًا (6) وَنَرَاهُ قَرِيبًا} ، وألحقت بها رأى الحلمية فتنصب المفعولين -أيضًا- كقوله تعالى: {إِنِّي أَرَانِي أَعْصِرُ خَمْرًا} ومنه البيت المذكور.