ولقد تعددت الأقوال المروية في مدى تعبير كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ منها أن كُنْتُمْ زائدة أو تامة ويكون المعنى (أنتم) أو (صرتم) أو (وجدتم) ومنها أن المقصودين هم خاصة أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم أو المهاجرين منهم بنوع خاص. أو هم (ابن مسعود وسالم مولى أبي حذيفة وأبي بن كعب ومعاذ بن جبل) وليس شيء من ذلك في الصحاح. والخطاب عام وموجه من حيث الواقع المباشر إلى السامعين من المؤمنين. وهم مهاجرون وأنصار. وهذا ما جعلنا نشرح العبارة القرآنية بما شرحناه من كونها قصدت تقرير كون المؤمنين بالرسالة المحمدية صاروا دون غيرهم أولى الناس بوصف أنهم خير أمة أخرجت للناس.
وقد يصح أن يضاف إلى هذا أن الآية قد خاطبت ظرفيا السابقين الأولين من المهاجرين والأنصار والذين اتبعوهم بإحسان الذين وصفتهم آيات عديدة بعظيم
صفات الإخلاص والاستغراق في دين الله ونصرته وبذل كل مال ونفس وجهد في سبيله فكانوا فعلا متحققين بالصفة التي وصفتهم بها الآية.
على أن هذا لا يمنع القول إن إطلاق الخطاب للسامعين يمكن أن يكون شاملا لكل مؤمن في كل وقت ومكان، وهو المتفق عليه عند المؤولين والمفسرين في كل خطاب مماثل ليس فيه دليل تخصيصي على ما نبهنا عليه في المناسبات الكثيرة والمماثلة. وهذا ما قاله المفسرون والمؤولون في صدد هذه الآية بالذات، مع التنبيه على أمر مهم وهو أن يكون المسلم الذي يستحق هذا الخطاب مخلصا في إيمانه قائما بواجباته التي منها الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. فبهذا فقط يكون من مشمول فقرة كُنْتُمْ خَيْرَ أُمَّةٍ أُخْرِجَتْ لِلنَّاسِ ولقد روى الطبري أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه رأى الناس في دعة فقرأ في خطبة له في حجة حجها الآية ثم قال من سرّه أن يكون من تلك الأمة فليؤد شرط الله فيها.