أعم ، فذكر حيث ما ذكر أعظم الذنبينْ الضلال والإِضلال
التوّاب ، وحيث ما ذكر أصغرهما - وهو الضلال دون الإِضلال -
ذكر الغفور.
إن قيل: لِمَ قال ههنا: (مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) ولم يقل ثّمَّ ؟
قيل: لما وصف ههنا قوما كان منهم إيمان متقدّم.
ثم حصل منهم كفر بعد إيمانهم ، قال: (مِنْ بَعْدِ ذَلِكَ) ليبيّن أن
الإِيمان المتقدم لا ينفعهم إذ قد أحبطوه وأبطلوه ، وأن الذي
يُعتدُّ به هو ما يفعلونه من بعد ،
ولما لم يكن ثم كفر بعد إيمان متقدم استغنى عن ذكر (بَعْدِ ذَلِكَ) .
ودخول الفاء فِي قوله: (إِنَّ اللَّهَ) لتضمُّن الكلام معنى
الجزاء ، كأنه قيل: إن تابوا وأصلحوا يُغْفرْ لهم.
قوله تعالى: (إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ ثُمَّ ازْدَادُوا كُفْرًا لَنْ تُقْبَلَ تَوْبَتُهُمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الضَّالُّونَ(90)
قيل: معناه لن تُقبَل توبتهم بعد الموت.
وقيل: عند الموت والمعاينة ، نحو (وَلَيْسَتِ التَّوْبَةُ لِلَّذِينَ يَعْمَلُونَ السَّيِّئَاتِ حَتَّى إِذَا حَضَرَ أَحَدَهُمُ الْمَوْتُ قَالَ إِنِّي تُبْتُ الْآنَ)
وقيل: توبتهبم المتقدمة فإن تلك أحبطها الكفر المتعقب.
وقيل: نزل فِي قوم ارتدوا.
وقالوا: إنا إذا رجعنا قبل توبتنا. وظنوا أن ذلك منهم توبة.
فبيّن تعالى أن هذه النية غير مقبولة ، وأنها ضلالة.
وقيل: معناه: لا تكون منهم توبة مقبولة ، كقول الشاعر:
على لاحبٍ لا يُهْتَدَى بمناره ...
أي لا يكون فيه منار فيهتدى به ، وهذا إخبار عن علمه
تعالى بحالهم ، وقيل: إن توبتهم غير مقبولة فِي حالِ ما هم
ضالون ، فالتوبة والضلال متنافيان لا يجتمعان ، فالواو فِي قوله:
(وَأُؤلَئكَ) على هذا واو الحال.