وإن قيل: إذا كان ذلك أمراً للنبي - صلى الله عليه وسلم - أن
يقوله ، فكيف قال: (وَنَحْنُ لَهُ مُسْلِمُونَ) ؟
قيل: إنما ذكر ذلك تنبيهاً أن أمته غير منفردين عنه فِي هذا الاعتقاد ، وغير مكروه لهم أن يبلّغوا ذلك تبليغ النبي - صلى الله عليه وسلم -
فكيف فسح لهم التبجح بذلك مع كون التبجح مذموماً ؟
قيل: التبجح هو إظهار الإِنسان
ما يتطلب به رفعةَ عند الناس ، وليس هذا من ذلك ، بل هو
إظهار التحمد المندوب إليه بقوله (وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ) .
وإظهار مباينة الكفار بالاعترافِ بالإِسلام ، وقصد أن الاستسلام
في الإِيمان بهم هو فِي الحقيقة لله تعالى لا لغيره.
قوله عز وجل: (وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ(85)
في الآية قولان: أحدهما: أن الأسلام هاهنا الاستسلام إلى الله.
وتفويض الأمر إليه ، وذلك أمر مراد من الناس فِي كل زمان
ومن كل أمة وفي كل شريعة ، وقدْ
تقدم أن الدين فِي اللغة الطاعة وفي التعارف: وضع إلهي
ينساق به الناس إلى النعيم الدائم ، فبيّن تعالى أن من تحرى
طاعة وانسياقاً إلى النعيم من غير الاستسلام له على ما يأمره به.
ويصرفه فيه فلن يقبل منه دنيء من أعماله ، وهو فِي الآخرة من
الذين خسروا أنفسهم.
والثاني: أن المراد بالإِسلام شريعة محمد عليه الصلاة والمسلام ، فبيّن أن من تحرى بعد بعثته شريعة أو طاعة لله من غير متابعته فِي شريعته فغير مقبول منه ، وهذا الوجه داخل فِي الأول ، فمعلوم أن من الاستسلام الانقياد لأوامر من
صحّت نبوته وظهر صدقه.
قوله عز وجل: (كَيْفَ يَهْدِي اللَّهُ قَوْمًا كَفَرُوا بَعْدَ إِيمَانِهِمْ وَشَهِدُوا أَنَّ الرَّسُولَ حَقٌّ وَجَاءَهُمُ الْبَيِّنَاتُ وَاللَّهُ لَا يَهْدِي الْقَوْمَ الظَّالِمِينَ(86)
هذه الآية واللتان بعدها ، قيل: نزلت فِي رجل ارتد.