وغني عن البيان أن استنكار القرآن الكريم لعدم التزام الأمانة في المعاملات لا يقتصر على أهل الكتاب دون من سواهم، بل يشملهم ويشمل غيرهم، وهذا هو السر في التعقيب بعد ذلك بالمبدأ العام الذي قرره الدستور القرآني الخالد، إذ قال {بَلَى مَنْ أَوْفَى بِعَهْدِهِ وَاتَّقَى فَإِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ} وفي القرآن الكريم آيات متعددة تحض على الأمانة وتدعو إليها سيأتي التعليق عليها في مكانها إن شاء الله، منها قوله تعالى: {إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تُؤَدُّوا الْأَمَانَاتِ إِلَى أَهْلِهَا} . ومما يتصل بموضوع الأمانة وبضدها الذي هو الخيانة ما يستعمله التجار لترويج تجارتهم من الأيمان الكاذبة، وقد كان ذلك شائعا بين تجار اليهود، واقتدى بهم غيرهم، وإلى هذا المعنى يشير قوله تعالى: {إِنَّ الَّذِينَ يَشْتَرُونَ بِعَهْدِ اللَّهِ وَأَيْمَانِهِمْ ثَمَنًا قَلِيلًا أُولَئِكَ لَا خَلَاقَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ وَلَا يُكَلِّمُهُمُ اللَّهُ وَلَا يَنْظُرُ إِلَيْهِمْ يَوْمَ الْقِيَامَةِ وَلَا يُزَكِّيهِمْ وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ} .
فهنا يتصدى كتاب الله بالتوبيخ والإنذار للتجار المستغلين من أجل تلاعبهم بمصالح المؤمنين، ويبين لهم العقوبات الإلهية القاسية التي تنتظرهم في الدنيا والآخرة، جزاء تطاولهم على الله،
وتلاعبهم باسمه الأقدس، وحلفهم الأيمان الفاجرة، من أجل ربح يحاولون الحصول عليه، وهو في الحقيقة منتهى الخسارة لهم، ومنتهى البوار لتجارتهم.