ودخل ذمِّيٌّ من أهل حمص أبيض الرأس واللحية على عمر بن عبد العزيز، فقال: يا أمير المؤمنين، أسألك كتاب الله. قال عمر: ما ذاك؟ قال: العبّاس بن الوليد بن عبد الملك اغتصبني أرضي. وكان عددٌ من رؤوس النّاس، وفيهم العباس بمجلس عمر، فسأله: يا عبّاس ما تقول؟ قال: نعم، أقطعنيها أبِي أمير المؤمنين، وكتب لي بِها سجلًا. فقال عمر: ما تقول يا ذمّيّ؟ قال: يا أمير المؤمنين، أسألك كتاب الله تعالى. فقال عمر: نعم، كتاب الله أحقّ أن يتبع من كتاب الوليد، قم فاردد عليه ضيعته يا عبّاس.
قال ابن القيم رحمه الله:"أحكام المستأمن والحربي مختلفة؛ لأن المستأمن يحرم قتله، وتضمن نفسه ويقطع بسرقة ماله، والحربي بخلافه".
وقال ابن باز:"لا يجوز قتل الكافر المستأمن الذي أدخلته الدولة آمنًا، ولا قتل العصاة ولا التعدي عليهم؛ بل يحالون للحكم الشرعي، هذه مسائل يحكمها الحكم الشرعي".
2 -دعوتهم إلى الإسلام وبيان أحكامه بعلم وحكمة وأسلوب حسن
فمن خصائص هذا الدين أنه عالمي الرسالة، ليس مقصورًا على قوم أو بلد أو زمان، قال الله تعالى: {وَمَا أَرْسَلْنَاكَ إِلَّا كَافَّةً لِلنَّاسِ بَشِيرًا وَنَذِيرًا وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَعْلَمُونَ} .
وعن أبي هريرة -رضي الله عنه- عن رسول الله -صلى الله عليه وسلم- أنه قال:"والذي نفس محمد بيده، لا يسمع بِي أحد من هذه الأمّة؛ يهوديّ ولا نصرانِيّ، ثم يموت ولم يؤمن بالذي أرسلت به؛ إلَّا كان من أصحاب النار".
قال النووي:"فيه نسخ الملل كلها برسالة نبينا -صلى الله عليه وسلم-".
إن من سماحة هذا الدين أنه أذن لغير أهله من أهل الذمة والمعاهدين والمستأمنين أن يعيشوا في أرضه مع بقائهم على دينهم وعدم إكراههم على الإسلام، ولم يخل عصر من العصور من وجود غير المسلمين داخل المجتمع المسلم، يعيشون بين المسلمين، وينعمون بالأمن على أنفسهم وأموالهم وأعراضهم، ولا يعني بقاؤهم داخل المجتمع المسلم بأي وجه من الوجوه الرضا بما هم عليه من الكفر بالله، فإن الله -تعالى- لا يرضى لعباده الكفر، وإنما أذن الشارع لهم بالبقاء لحكم عديدة منها: