فنظرة التعارف تؤدي إلى التعاون بين الأطراف المتعارفة، والإسلام يقيد التعاون المطلوب على أساس البر والتقوى. وهما جماع الخير والسلام للإنسانية في الدارين. أما التعاون على الإثم والعدوان الذي كثيرًا ما وقع بين أهل الدنيا فهو ممنوع في الإسلام؛ إذ هما من جماع الشرور والأضرار التي تفضي إلى الحروب والنزاعات وتؤجج نيران الصراع المدمر لمشروع السلام ولسعادة البشرية.
ومما تقدم تبين بوضوح أن الأصل في العلاقات الخارجية للأمة الإسلامية هو السلم، وأن الحرب والاعتداء أمر طارئ يحدث بسبب طارئ من اعتداء الكفار على المسلمين ودينهم. فالسلم مقرر لكل الناس ليس نتيجة الإيمان أو الأمان، وإنما من حيث الأصل وعدم الاعتداء، أما الحرب فإنما شرعت من أجل حماية الدعوة الإسلامية ودفع الضرر عن معتنقيه، وضمان سير الدعوة الإسلامية التي تحمل راية الرحمة والسلام. كما أثبتت تاريخيًّا الحروب التي خاضها رسول الله - صلى الله عليه وسلم - مع الكفار عن طريق الغزوات والسرايا، فإنها لا تخرج عن الأسباب المشروعة لها. وأغلب هذه الحروب تكون في موقف الدفاع برد العدوان الواقع فعلًا. والله أعلم.
يقول محمد رشيد رضا: تفضيل السلم على الحرب إذا جنح العدو لها، إيثارًا لها على الحرب التي لا تقصد لذاتها؛ بل هي ضرورة من ضرورات الاجتماع، فتقدر بقدرها، وذلك قوله تعالى عقب الأمر بإعداد كل ما تستطيع الأمة من قوة ومرابطة لإرهاب عدوه وعدوها: {وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا وَتَوَكَّلْ عَلَى اللَّهِ إِنَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ (61) } ، ولما كان جنوح العدو للسلم قد يكون خديعة لنا لنكف عن القتال ريثما يستعدون هم له أو لغيره، وكان من المصلحة في هذه الحال أن لا نقبل الصلح منهم ما لم نستفد كل ما يمكننا منه تفوقنا عليهم، لم يعد الشارع احتمال ذلك مانعًا من ترجيح السلم؛ بل قال -عَزَّ وَجَلَّ-: {وَإِنْ يُرِيدُوا أَنْ يَخْدَعُوكَ فَإِنَّ حَسْبَكَ اللَّهُ هُوَ الَّذِي أَيَّدَكَ بِنَصْرِهِ وَبِالْمُؤْمِنِينَ (62) } . وهو برهان على أن الإسلام دين السلام، لكن عن قدرة وعزة، لا عن ضعف وذلة.