12 -وفي عهد الرشيد كانت وصية القاضي أبي يوسف له بأن يرفق بأهل الدمة حيث يخاطبه بقوله:"ينبغي يا أمير المؤمنين أيدك الله أن تتقدم في الرفق بأهل ذمة نبيك وابن عمك محمد - صلى الله عليه وسلم -، والتفقد لهم حتى لا يظلموا ولا يؤذوا، ولا يكلفوا فوق طاقتهم، ولا يؤخذ من أموالهم إلا بحق يجب عليهم".
بمثل هذه المعاملة ساد المسلمون الأوائل وكانت معاملتهم محط إعجاب مخالفيهم فشهدوا لهم بالسمو في أخلاقهم والتسامح في معاملتهم.
المبحث الخامس: المفهوم الإسلامي في العلاقات بين الأمم.
إن الأصل في العلاقة البشرية عند الإسلام، فرديًّا كان أو جماعيًّا أو دوليًّا، علاقة التعارف والتعاون والدعوة والخير، لا علاقة التصادم والاعتداء والإرهاب والشر. فالإسلام يدعو البشرية إلى التعارف والتعاون على البر والتقوى ويرفض التجاهل
والتعاون على الإثم والعدوان. فقد حدد القرآن أساس العلاقة بين البشرية في قوله تعالى: {يَاأَيُّهَا النَّاسُ إِنَّا خَلَقْنَاكُمْ مِنْ ذَكَرٍ وَأُنْثَى وَجَعَلْنَاكُمْ شُعُوبًا وَقَبَائِلَ لِتَعَارَفُوا إِنَّ أَكْرَمَكُمْ عِنْدَ اللَّهِ أَتْقَاكُمْ} ، والتعارف الذي هو محور العلاقات بين البشر على اختلاف شعوبهم وقبائلهم، له مدلول أبعد من مجرد معرفة شخص اسم آخر؛ بل التعارف الذي يؤدي إلى أعلى تبادل المنافع وإيجاد التعاون فيما بينهم. ومن أجل هذا التعارف يتطلب طبيعة العلاقة السلمية الإيجابية. وبذلك كان السلم هو الحالة الأصلية التي تهيئ للتعارف والتعاون وإشاعة الخير بين الناس على مختلف الشعوب والقبائل. فالتعارف الهادف بين الشعوب من أكبر أسباب السلام في المجتمع الإنساني، وقال تعالى: {وَتَعَاوَنُوا عَلَى الْبِرِّ وَالتَّقْوَى وَلَا تَعَاوَنُوا عَلَى الْإِثْمِ وَالْعُدْوَانِ وَاتَّقُوا اللَّهَ إِنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعِقَابِ} .