وروى الدينوري في"المجالسة"عن بكر بن خنيس رحمه الله تعالى قال: بلغني أنَّ إبليس اللعين لعنه الله قال: ثلاث إذا وردت على واحدة منهن من ابن آدم فقد قدرت على حاجتي: من نسي ذنوبه، واستكثر عمله، وأعجب برأيه.
فالشيطان يعجبك إلى نفسك، ويعجب نفسك إليك، ويعجب طاعتك لله إليك، فيكون العجب منك - وإن كنت على طاعة - أبلغ من المعصية لو كنت على معصية لأنه يحبط الطاعة.
وفي الحديث"كَفَى بِالْمَرْءِ جَهْلًا أَنْ يُعْجَبَ بِرَأْيِهِ". رواه البيهقي عن مسروق مرسلاً، وأبو نعيم عنه عن ابن عمر متصلاً، ولفظه:"إِذَا أُعْجِبَ بِرَأْيِهِ".
وقال النبي - صلى الله عليه وسلم:"لَوْ لَمْ تَكُوْنُوْا تُذْنبُوْنَ لَخَشِيْتُ عَلَيْكُمْ مَا هُوَ أَكبَرُ مِنْ ذَلِكَ؛ الْعُجْبَ الْعُجْبَ". رواه الخرائطي في"مساوئ الأخلاق"، والحاكم في"تاريخه"عن أنس رضي الله تعالى عنه.
ولو فتشتت لوجدت أن إعجاب الشيطان برأيه ونفسه هو الذي كان سببًا في طرده وعكسه.
وقد سبق أنه كان من الأخيار، فلما زكَّى نفسه وأعجب بها صار من الأشرار، فهو يود أن جميع بني آدم ضلوا كما ضل، وزلوا كما زل.
فاعلم أن الشيطان - وإن اطمأنت نفسك - لا والله لا يترك إرادتك بكل سوء حتى تفارق نفسك جسدك، بل هو عند موتك أشد إرادة لإضلالك منه قبل ذلك خشية أن تنفلت منه.
وفي الحديث:"إِنَّ الشَّيْطَانَ أَقْرَبُ مَا يَكُوْنُ مِنْ ابْنَ آدَمَ عِنْدَ ذَلِكَ الْمَصْرَعِ"كما رواه ابن أبي الدنيا في كتاب"الموت"، وأبو نعيم.
فلا تغتر بطمأنينة نفسك وإن تحققت الطمأنينة منها، ولو ساغ ذلك
لأحد لم يقل يوسف عليه السلام: {وَمَا أُبَرِّئُ نَفْسِي} [سورة يوسف: 53] .
بل ينبغي لكل أحد أن لا يأمن من مكر الله تعالى، ولا يترك الحذر من الشيطان؛ فإنه مترصد له في كل حال.
وقد روى ابن أبي الدنيا في كتاب"الحذر"عن مجاهد رحمه الله تعالى قال: قيل لداود عليه السلام: يا داود! احذر لا يأخذك الله على ذنب، فتلقاه ولا حجة لك.
وقال محمود الوراق رحمه الله تعالى: من المتقارب
أَخافُ عَلَى الْمُحْسِنِ الْمُتَّقِي ... وَأَرْجُو لَدَى الْهَفَواتِ الْمُسِي